الثلاثاء، 3 نوفمبر 2015

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) - حمصيات عتيقة - الهديــــــة ( معتصـــــــم دالاتـــــــي )

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) -  حمصيات عتيقة

الهديــــــة ( معتصـــــــم دالاتـــــــي )

    
          لعل أحداً ممن يعرف الرجل القاسي القسمات لا يذكر أنه رآه مبتسماً أو ضاحكاً، ولم يُعرف عنه أية ملامح توحي بالرقة أو العاطفة. فهذا الرجل الريفي الأصل اتسم بوجه حاد الملامح، قاسي النظرات، يُدخل الرهبة والاحترام بمن حوله من أفراد أسرته أو معارفه وحتى أهل قريته التابعة لمدينة حمص.
          هذا الرجل الذي تعايش مع الأرض الصلبة فأكسبته تلك المناعة ضد المرح أو حتى الابتسام. سأل ابنه البكر عندما حصل على الشهادة الثانوية عما ينوي أن يفعل؟ أجابه الابن بالثقة والجدية التي أخذها عن ابنه:
          _ أريد السفر إلى ألمانيا لمتابعة الدراسة.
          _ هيئ نفسك للسفر. وأريدك أن تحصل على الشهادة العالية.
          إنتهى الحوار بين الأب وابنه وأُقفل الموضوع.
          خرج الولد من مدينته الصغيرة حمص مع بداية الستينيات من القرن الماضي متوجهاً إلى ألمانيا. يحمل في محفظته شهادة الدراسة الثانوية والأوراق اللازمة لدخول الجامعة. ويحمل في قلبه وجه أبيه الصارم وعبارته الحادة التي تطلب منه الحصول على الشهادة العالية.
          بعد سنوات الدراسة عاد الابن إلى بلده حمص يحمل الشهادة العالية التي طلبها أبوه، بالإضافة إلى الجنسية الألمانية التي مُنحت له لتفوقه في الدراسة ونبوغه في العلم والذكاء والجدية في العمل بالإضافة إلى عقد عمل مميز. وهو منذ سنوات بعيدة يعمل مديراً لأحد فروع شركة باير الشهيرة في تصنيع الدواء، حيث يعمل تحت إمرته ثلاثة عشر أخصائياً يحمل كل منهم لقب دكتور بالإضافة إلى عدد من الفنيين والإداريين الألمان. وهو الوحيد بينهم الذي يحمل لقب بروفيسور مع لقب الدكتور.
          أعود إلى الرجل الريفي ذي الوجه القاسي الملامح الذي لا يعرف الضحك أو الابتسام، أو حتى التعبير عن العواطف. ذاك الرجل الذي كانت نظرته الحادة تدخل الرعب والوجل إلى الجميع.
 حين وصل الابن العائد إلى بلده حمص من بلاد الغربة مُنهياً دراسته كما أسلفت، استقبلته الأسرة والأصدقاء والمعارف والأقرباء.
          في السهرة وحين خلا المنزل إلاّ من الأسرة قام الولد القادم من ألمانيا إلى محفظته الكبيرة وأخرج مجموعته من الهدايا التي كان قد أحضرها معه. وبكثير من الفرح قدَّم لكل من أفراد أسرته وأقربائه هديته. بعدها سادت فترة صمت رهيبة. فلقد حصل كل واحد على هديته باستثناء الوالد الذي لم يقدم له ولده أيَّ شيء.
        نظر الجميع إلى وجه الأب، كان وجهه حيادياً. بعد لحظات قام الابن إلى محفظته ثانية وعاد يحمل ورقة ملفوفة بشريطة ملونة قدمها لأبيه قائلاً:
          ـ أما أنت يا والدي فلم أجد لك هدية أفضل من تلك.. إنها شهادة الدكتوراه في الطب.
          مرة أخرى نظر الجميع إلى الوجه القاسي الذي اعتاد الأب أن يحمله، فرأوا ما لم يعتد أحد أن يراه في ذلك الوجه الصارم. كانت دمعتان على خديه. وعلى شفتيه ما يشبه ملامح الابتسامة الملأى بالفرح والحبور.
          لعل الكثير يعرف أن نبتة الصبار هي النبتة الأقسى بين النباتات قاطبة، وأن هذه النبتة القاسية تُفصح عن زهرة كبيرة مرة واحدة كل سنة لا تعيش لأكثر من يوم أو أثنين، وأن هذه الزهرة هي الأجمل والأرق من كل ما تقدمه النباتات من أزهار.
          ولعل دمعتي وابتسامة الرجل القاسي الملامح كانت هي زهرة الصبار.   
       
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved 

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) - نقد أدبي - ديوان الدكتور: عبدو مسوح ( عبد المعين الملوحي )

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) -      نقد أدبي
ديوان الدكتور: عبدو مسوح ( عبد المعين الملوحي )
    
ينبــــوع المحبــــــة
      أصدر الدكتور عبدو مسوح ديوانه الثاني "ينبوع المحبة" وضم إليه ديوانه الأول "سبحة من ينبوع".
     قرأت الديوان كله فأعجبني، وأقل ما يقال فيه إنه ديوان طريف يجمع إلى عناصر الطب والكيمياء والأدوية والأمراض أغراض الشعر من غزل ومدح وإخوانيات أي أنه يجمع العلم والعاطفة في آن واحد.
وقد ذكرني الديوان بأشعار أصحاب المهن الذين جمعوا بين مهنهم من خباز وورّاق وخياط والشعر، وقد جمع كتاب زهر الآداب للحصري أشعار عدد منهم في وصف الحب أو في وصف حياته فإذا هو يأتي بأوصاف تنطبق تماماً على صاحب كل مهنة، وأحيلُ من يريد الإطلاع عليها إلى كتاب زهر الآداب واكتفي بذكر وصف ورّاق (الذي يجمع الكتب ويبيعها) لحالته:
حدّث محمد بن يزيد المهلبي قال: حدثني أبو هفّان قال:
سألت وراقاً عن حاله فقال:
عيشتي أضيق من محبرة، وجسمي أرق من مسطرة، وجاهي أرق من الزجاج، ووجهي أشد سواداً من الحبر، وحظي أحقر من شق القلم، وبدني أضعف من القصبة، وطعامي أمرُّ من الحفص ، وسوء حالي ألزم من الصمغ.
فقلت له: عبرت عن بلاء ببلاء(1)
 أغراض شعره
          يورد الشاعر قصائده تحت العناوين الآتية:
جامعيات ـ نفطيات ـ مواقف عز ـ من مواقف الشعراء ـ اغتراب ـ غربة النفس ـ على جناح الذكرى ـ صور ـ مهرجانات ـ موكب الراحلين ـ إخوانيات ـ .
          وقصائده في هذه العناوين تختصر مراحل حياته منذ كان طالباً في الجامعة إلى طبيب في شركة نفط العراق ـ إلى عودته إلى بلده بعد تقاعده حتى أصبح أباً وجداً يحنو على أحفاده.
 أقسام شعـره
          يمكن تقسيم شعره ثلاثة أقسام :
1- شعر الطبيب، 2- شعر الشاعر، 3- شعر الطبيب والشاعر معاً.

(1)   أدب الكاتب للصدّي  ص 97
       

 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved 

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) - من تاريخ الاغتراب - الرواد الأول - تعاملو بقيم القرية والأمركة أوهت الروابط

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) -      من تاريخ الاغتراب
الرواد الأول - تعاملو بقيم القرية والأمركة أوهت الروابط ( إسماعيل الصغير )
    
     شكلت أميركا، في أواخر السبعينات من القرن التاسع عشر، عدناً واعدة للكثيرين، الذين رحلوا باتجاه الحلم. وعلى بوابة نيويورك كانت اللهفة تنسيهم متاعب الطريق ومكابدات السفر. لقد رحل معظم هؤلاء الرواد الأول، ولم تبق غير ذكرياتهم، تركوها لأولادهم وأحفادهم، مع ما تركوا لهم من طرق ممهدة وسبل عيش آمنة بل وثروات ومآثر، وما كان ليتم لهم ذلك لولا عصبية جمعت في ما بينهم فتعاونوا، فقد كان الخيار الوحيد أمامهم أن تمتد يد من جاء أولاً إلى من وصل بعده قائلاً له: هاك زاد الدرب، وهذه بداية الطريق. على بوابة نيويورك كانوا يحطون الرحال حاملين على أكتافهم وبين أيديهم صررهم هنا... عالم غريب يضج بألف لون وحركة ولهجة، وهنا يصبح الدليل على مدخل هذا العالم، بمثابة يد تمتد إلى غريق.وهل يُنسى جميل هذه اليد في ما بعد؟.
   أول حاجز كان على المغترب أن يجتازه بعد نزوله من الباخرة، هو مأزق اللغة، إذ تبين تقارير مكتب الهجرة الأميركية العائدة لتلك الفترة أن 53.3 بالمائة من مجموع 47.834 سورياً وفلسطينياً ولبنانياً فوق الرابعة عشرة من العمر، دخلوا بين 1899 و 1910 كانوا غير قادرين على القراءة والكتابة، ويبين أحد التصنيفات الإحصائية لهذه التقارير أن 31.781 شخصاً ما كانوا  يستطيعون أن يكتبوا أو يقرأوا، وأن 153 شخصاً كانوا يستطيعون القراءة من دون كتابة ولا أحد يستطيع أن يقرأ ويكتب معاً.
    لهذا كان وجود مترجم عربي في مكتب الهجرة، يخفف الكثير من الحيرة والقلق عن هؤلاء القادمين، وكان أول مترجم استأجره المكتب هو نجيب عربيلي، ابن الدكتور جوزف عربيلي، الذي جاء باسرته إلى الولايات المتحدة ، عبر نيو اورليانز عام 1878، وانتقلت العائلة إلى نيويورك عام 1881، وبعد إحدى عشرة سنة، في 1892 أسس نجيب بمساعدة أخيه إبراهيم أول صحيفة عربية "كوكب أمريكا" في هذه المدينة، وبعد ثلاث سنوات أصدر إبراهيم كتاباً تعليمياً ابتدائياً إنكليزيا ـ عربياً  لتعليم المهاجرين اللغة الإنكليزية،  يحتوي الكثير من مصطلحات ورسائل الأعمال الأميركية، بالإضافة إلى العادات والأذواق والمجاملات.
     وردة الريح
  وظل نجيب عربيلي يعمل لسنوات، وصار بالنسبة لهؤلاء القادمين البوصلة ووردة الريح يرشد المهاجرين، يجيب عن اسئلتهم، يواسيهم ويقدم النصائح، وعند الضروة كان يضعهم في قطارات تحمل عناوين مقصدهم، ولا يكتفي بذلك، بل يتصل بالأقرباء والأصدقاء ليؤمن وصول القادمين إليهم، وحين كانت تتعقد الأمور ويفقد أحد القادمين عنوان وجهة سيره، لا يتركه في زحمة الضياع، بل يسلمه إلى جالية نيويورك أو يوجهه إلى إحدى فعاليات الجالية أو إلى جماعة من منطقته أو دينه أو أهله. وذاكرة هؤلاء الرواد ما زالت تشير إلى نجيب عربيلي بأنه كان "المعين الشفوق"، وانه كان المترجم الذي تذكره حكايات الآباء مضيفة إلى اسمه الاحترام والتبجيل.  ويقول الياس.ل. الذي وصل عام 1896، في مقابلة اجرتها معه الكاتبة اليكسا نف: "هل تعتقدين إني نظرت إلى خارطة، وقلت إني أريد أن أذهب إلى هذا المكان؟ كلا فلم يكن بمقدوري أن أتفوه بكلمة إنكليزية واحدة، فكم بالحري قراءتها، كان معي أسم سالم بشارة في فورت واين، أريته للسيد عربيلي، فوضعنا في القطار، واستقبلنا سالم".
  وحين كان المهاجر يبلغ ايليس ايلاند ويخطط للتوقف في نيويورك أو أخذ القطار من هناك باتجاه غايته، فقد كان يواجه عقبة أخرى: كان المحتالون واللصوص والباحثون عن اليد العاملة الصناعية أو الزراعية وعملاء مكتب الهجرة الحكومي والهاربون من المآوي وأصحاب عربات الأجرة التي تجرها الخيول، كانوا كلهم يحومون حول القادمين الجدد المرتبكين، وكان في معركة الدهاء بين هؤلاء والمهاجرين رابح وخاسر، لكن لم يكن إلا فواجع قليلة، فقد تعامل القرويون، وكما يحملون من توصيات، بشكل نموذجي مع اغراءات تقديم الخدمات، وكانت الريبة والشك هما ردة الفعل الأولى، ولم يكن من السهل أن يسلموا زمام أنفسهم لأول عرض، وثقتهم لم يضعوها إلا في العناوين التي يحملونها، حتى إذا وصلوا إليها، كانت عدة العمل بانتظارهم: كشة أو محفظة ومجموعة بضائع يتم استلامها من التاجر الموزع.
   القرية والقرابة .
   عند منعطف القرن، كان المهاجرون اللبنانيون المتشجعون قد غطوا البلاد بشبكة من المستوطنات للباعة المتجولين، يقع معظمها في الولايات الشرقية الغربية الوسطى المزدحمة بالسكان، وتناثر الباقي حوالي الجنوب وعلى طول الساحل الغربي، كذلك في وسط المساحات المكشوفة لمنطقة الجبال الصخرية. وكانت معظم هذه التجمعات تتمركز بشكل عناقيد حول المدن الصغيرة والبلدات، عند حواشي المناطق الزراعية وعلى طول خطوط السكك الحديدية.  وكانت الشبكة الوطنية مترابطة بمجموعة من الشبكات الثانوية، التي بدورها ارتبطت بأماكن أصول الباعة المتجولين حيث طائفتهم واقرباؤهم وأهل قراهم، الأمر الذي أوجد نوعاً من التماسك داخل كل جماعة، وبذلك توطدت علاقات القرية والقرابة، بقدر ما كانت كل شبكة ثانوية تجتذب إليها المزيد من الأقرباء والأهل، وتوزعهم بين مستوطناتها. ومن هذه المستوطنات المنشورة اشتق الرواد الأول الشجاعة والقوة كي يطوفوا هائمين على وجوههم أبعد فأبعد، عين على المستوطنة حيث الأهل والعين الأخرى شاخصة إلى الطريق قدامهم.
   ولم تكن المستوطنات هذه مجرد قواعد من أجل إطلاق الباعة، بل زودتهم بمصادر الدعم النفسي والمادي في الوقت الذي هم فيه بحاجة إليه، فتعلموا مبادئ الجوالة، وتقاسموا الخبرات مع الرفاق الذين سبقوهم في القدوم، وما أن تمضى عليهم عدة شهور حتى يكتشفوا أن الذهب الذي سعوا إليه في أميركا لم يكن في الواقع غير هذه الفرص، التي يوفرها الرفاق والأهل للقادمين الجدد. وتدل دراسات أجريت حول الجالية الناطقة بالعربية في فايكسبورغ مثلاً أن الجيلين الأول والثاني من هذه الجالية، كانت تربطهم صلات القربى والقرية، بالمقيمين في جاكسون وهرمانسغيل وغرينغيل وبورت جيبسون وميريديان وناتشز وغيرها من المدن الواقعة على الخطوط الحديدية أو شواطئ النهر، وكذلك مع اولئك المقيمين في ولايتي لويزيانا وتكساس، وأن معظم هذه الجماعات هم ذرية الباعة الجوالين الأوائل، الذين يعود أصلهم إلى سبع قرى في ناحية الكورة من لبنان.
    تعالوا واشتغلوا بالجوالة
  وشكل التاجر الموزع النواة الأولى للمستوطنة، وكان على استعداد دائم لأن يستقبل ويجذب أكبر عدد ممكن من الباعة المتجولين، بل قد يعود أحياناً إلى قريته الأم والقرى المجاورة طلباً لهؤلاء، فيمول سفرهم، ويؤمن لهم الإقامة والبضاعة، وقد يكتب هؤلاء الباعة بدورهم للأهل والأصدقاء "تعالوا واشتغلوا بالجوالة، فنحن نربح مالاً"، وبالطبع، كانوا يأتون إلى نفس العنوان. وهكذا تنمو المستوطنة ويتوزع باعتها باتجاهات متعددة مثل أشعة دولاب العربة، نقطة المحور فيه هو الموزع، الذي يقوم بتسليف الأموال وتدريب الباعة وترتيب إقامتهم،  والاحتفاظ بمدخراتهم وبالتوسط بينهم وبين السلطات المحلية وبكتابة الرسائل إلى الأهل وبتلقي الأجوبة، وبتقديم النصائح والمساعدة لحل الأزمات الشخصية وغير الشخصية.
  وحين يروي الباعة المتجولون الرواد تجاربهم، يعتبرون حتى درجة كبيرة دور الموزع مفروغاً منه، بحيث كان يبدو أنه يتطلب القليل من التمييز، ولا يتطلب أي إعداد على الإطلاق، لقد كان واحداً من الجماعة، ومع ذلك كان يبدو من خلال هذه الذكريات أنه اكبر من أي واحد منهم. وهذا يعني أن أي مستوطنة ارتبط اسمها باسم موزع أو أكثر فيها، وظل هناك الكثير من الأسماء في ذاكرة هؤلاء الرواد كما هي الحال بالنسبة لـ "فورت واين" من حيث هي أنموذج مستوطنات الباعة الجوالين، وارتباط أسمها باسم سالم بشارة مؤسسها من حيث هو أنموذج الموزعين الرواد، والذي تصفه أخت زوجته اليزابيت "كان الجميع يأتون إليه، كان الرجل الرئيس". ويتذكره الذين عاصروه بوصفه "رجلاً محنكاً نشيطاً شريفاً، ساعد الناس من حوله".
   هذه الروابط التي نشأت داخل المستوطنات وعلى طول امتداد شبكاتها، خلقت مزيداً من الألفة والتعاون والتكافل، وسهلت على أعضاء الجالية سبل عيشهم وكسبهم...  وتقول تفيدة .ب. عن تلك الفترة "كان الجميع متقاربين، وكانوا يعيشون بالضبط من أجل بعضهم بعضاً، كانوا يعرفون أن من واجبهم أن يتساندوا".   كان ذلك عندما ظلت قيم القرية الأم هي التي تحكم العلاقات بين الجميع، ومع بدء انهيار عصر الجوالة، بدأت قيمة جديدة تظهر، وعلاقات جديدة تقوم، نتيجة التغير السريع في علاقات العمل، ففيما كانت المستوطنات تفتح الطريق أمام "الأمركة"، لم تكن التغيرات في حضارة المغتربين، في البدء، قاسية وعميقة، غير أن معركة قامت منذ البداية بين قيم الهوية والجذور وبين تيار الاستيعاب، وكان يمكن التنبؤ بنتيجتها منذ البداية، والتي يصفها ادوارد. أ. بقوله" في الأيام الأولى... حين كان أحدهم يحتاج إلى مساعدة كنا نساعده... لم نطلب منهم قط أن يوقعوا على ورقة. تلك هي الثقة. كنا نثق ببعضنا... أما الآن فإن كل ثقتهم هي في الدولار بدلاً من الشرف. لقد فقدنا الشيء الكثير، الكثير جداً ". 
*    *    *

     
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved 

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) - شجون مهجرية - الحب في أمريكا ضائع ومشرد

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) -      شجون مهجرية   
الحب في أمريكا ضائع ومشرد يفتش عن مأوى وعن طريق ( أبو الخير شاهين )
دع بينك وبين من تحب مسافة يطلع منها الضوء ويهطل فيها المطر ليظل بينكما ربيع
  
سألت عن الحب في أمريكا وفتشت عنه في عيون الناس فلم أجده . لم أجده في عيون الشباب والصبايا ولا في قلوب الآباء والأبناء، ولا بين الأزواج والزوجات . لم أجده حتى بكلام أكثرية الناس الذين سمعتهم باهتمام فحزنت لهذا العالم الشاسع الواسع الجميل والرائع، ولهذه الحضارة الزاهية على كل صعيد، ولم أجد فيها مكاناً للحب ولا عشاً للعصافير، وبالتالي لم أجد الأسرة والإنسان حتى لم أجد نواة الأسرة، وحيث لا يكون الحب لا يكون الإنسان والأمل والأحلام والقصيدة .
     كنت أسمع الموسيقى ضجيجاً، والغناء زعيقاً، والفنون ألواناً وخطوطاً وزوايا ودوائر منسقة وملونة ومرتبة ولكنها خاوية من مضمون الفنون مع الاستثناء الطفيف . لم أسمع في أمريكا كلاماً حنوناً بعمق الحنان ولم أر عيوناً صافية يسكنها الفرح الحقيقي أو الدمعة الحقيقية الصادقة . فسألت نفسي عن كل هذا الجفاف من حولي ولماذا أرى الناس أشكالاً كالأشباح والوجوه نوافذ مقفلة عن الضوء، رحت أفتش بالعمق عن جواب فأدركت شيئاً واحداً غائباً عن المشهد لم تستطع الآلة إنتاجه ولا الكمبيوتر برمجته ولا مختبرات التكنولوجيا بكل تقدمها صناعته، وهو الحب . 
   الحب الذي يصنعه الإنسان بنفسه وبقلبه وبوجدانه وبشعوره . الحب الذي ينبت في الطبيعة وفي القلوب ويكبر في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس وضوء القمر . لم ألمحه بين كل الناس كبارهم وصغارهم لأن العلاقة بينهم قاصر وعاقر لا تنتج الحب . ومن هذه النقطة انطلقت لأبحث طبيعة الأشياء وحواشي المشهد في هذه البلاد وأنا أعرف أن الحب بالأساس معرفة وثقافة، ومعظم الذين يعرفون ذلك بحكم مواهبهم أو ثقافتهم أو رجاحة عقلهم يضعون ما يعرفون على الرف وينضمون إلى القطيع الزاحف نحو الغريزة حيث وضعت هذه الغريزة في مقام الحب وبقي الحب بلا مقام .
    علاقة الحبيبين هنا تبدأ وتنتهي بلا موعد وبلا حلم، وبلا انتظار، وبلا أمل، وبلا دمعة وبلا قلق على الحبيب، وبلا تحسر وتلهف للقاء الحبيب، فلا الانتظار وارد، ولا خجل الصبية وتورد خديها وارد، ولا الإحساس بخصوصية وتميز كل من الحبيبين . العلاقة هنا تلغي مسافة الشوق بين الحبيبين من اللحظة الأولى فتتحول كل اللحظات إلى سواد تفوح منه رائحة الجسد فقط دون الروح ودون الحب ليتراجع الحب بعدما يكون مقبلاً ويلتقي الطرفان على رغبات الجسد فقط فيغرقون بكل إنسانيتهم وبكل جمالهم الروحي وبكل شفافيتهم وعذوبتهم بأوحال الجسد والعبث بالتراب ليستخرجوا اللذة والشهوة من التراب فيحصلوا على لذة البهائم ويتباهوا بالتمرغ بالوحل وتحكم علاقتهم لغة المباشر دون كلام وشوق وتلهف وموعد وتأمل وبالتالي دون وجدان وإحساس إنساني ودون حب، حينها تذكرت وبشدة قصيدة كنت قد كتبتها في لبنان مطلعها :
      " دع بينك وبين من تحب مسافة يطلع منها الضوء ويهطل فيها المطر ليظل بينكما ربيع . . " 
    ولا أدعو بهذه العبارة إلى تقاليدنا الشرقية التي تفرض هذه المسافة وتحملها مفاهيم وشروط قاسية أحياناً ومستحيلة بل أدعو إليها كونها مجال اختبار للعواطف والأحاسيس والمشاعر الجميلة بين اثنين تمارس بحرية، ليطلع منها الحب وتحلو المواعيد، والتقاط لحظات الفرح . ولا أعتقد أن هذه المسافة مؤقتة وآنية لظرف ولحظة ومرحلة، بل يفترض أن تكون أبدية بين الحبيبين تكبر وتصغر وتتسع وتضيق، ولا تنتهي وتلغى حتى في وحدة الجسدين بالكامل وفي عز رحلة الشوق الممتعة وتوحد العشاق (الزواج) . تضيق المسافة لكنها لم تنته أبداً ليظل كل طرف محافظاً على نوعه وخصائصه، وهذه أهم أشكال الحب ومعانيه الكبيرة التي تنتج التكامل والسعادة والوفاء والاستمرار .
      أريد أن أنتقل أخيراً من جماليات الحب بحد ذاته كرابط جذاب ورائع بين اثنين إلى انعكاسات هذا الرابط على النواحي الاجتماعية والثقافية وربما السياسية . لا شك أن المغتربين العرب في أمريكا يتأثرون بثقافة الغرب وذلك بفعل وجودهم في الغرب وعدم قدرتهم على نقل مفاهيمهم وحضارتهم إلى الغربيين من جهة ضعف اللغة لديهم وضعف الإعلام العربي بالوقت الذي نلاحظ به مشكلة الغربيين أنفسهم بالذي يعانونه بالتمتع بالتراب والتلذذ بروائح الجسد فقط لتصل الأمور بهم إلى عبادة الجسد على حساب الحب والزوج والولد، والاستعاضة عنهم بالكلاب ففي كل بيت كلب وأكثر وليس في كل بيت ولد وأكثر، الكلاب في البيوت أكثر من الأبناء بكثير والعناية بالكلب تفوق التصور فله المحلات الغذائية الخاصة والمستشفيات الخاصة والمسابح والحدائق والدلال والترفيه فهو البديل عن الولد في معظم الأحيان وإذا حضر هذا الولد لم يكن بالغالب ثمرة حب ووفاء بين زوجين بل يكون نتاج علاقة عابرة ومؤقتة بين صديقين وسرعان ما يفترق الأصدقاء ويظل الولد في كنف الأم حيث يغيب الأب إلى الأبد . وعندما يكبر العصفور ويصلب جناحيه يطير إلى فراغ تاركاً وراءه البيت للعجوز والكلب، فتبدو البيوت في أمريكا مهجورة إلا من العجائز والكلاب وإلى أين تهجر العصافير؟
    سألت عن مواطن هذه الهجرة فكان الجواب : إلى الصديق وليس إلى الحبيب ولا إلى الزوج حيث تكثر الصداقات بين الشباب والبنات وتقل نسبة الزواج كثيراً وينعدم الحب . والدولة من طرفها تقوم بتخفيف المشاكل الناتجة عن هذا الوضع المضطرب بالتعويضات الكافية للمرأة والولد وللزيجات الفاشلة وما أكثرها لأنها دولة قوية مادياً ولاتملك حضارة إنسانية بالمعنى اللازم لتحضير شعوبها ورفع مستواها الإنساني والقوانين في أمريكا صارمة لحماية الكلاب والناس على حد سواء . فليست أمريكا دولة الشعراء والأدباء وليست دولة الأديان والأنبياء، بل هي دولة المال والحديد والخشب ودولة التكنولوجيا والقانون الذي ينظم ويرعى حقوق الناس كما هي وليس كما يجب أن تكون .
       معاناة وقلق لدى المثقفين الأمريكيين الذين يشعرون بمرارة العلاقات المفتوحة بالكامل دون ضوابط ودعوة من فريق كبير من المغتربين العرب للحفاظ على الأسرة والزوج والولد من الضياع، ولكن . .
وما أصاب مجتمعاتنا العربية والمثقفين المغتربين منها من انبهار بتأثير الثقافة الغربية انعكس على واقع الأسرة العربية المغتربة ولو بشكل طفيف ولكنه غير بسيط ويظنون أن تقليد الغرب بحياته الاجتماعية ظاهرة تقدم وتطور، وهذا خلل في البناء الفكري الحديث يتم على حساب إنسانية الإنسان، وإنني لمست معاناة وقلقاً كبيراً لدى المثقفين الأمريكيين الذين يشعرون بمرارة العلاقات المفتوحة بالكامل دون ضوابط النفس الجميلة بطبيعتها وبنيتها الإنسانية، ومن الملاحظ أن هناك فريقاً كبيراً من المغتربين العرب يرفع صوته عالياً بالدعوة إلى الحفاظ على الأسرة والزوج والولد من الضياع ولكن هذه الأصوات ما برحت تدور حول نفسها ولا تحظى بتأييد وتأثير لأنها تعتمد على الردع الديني والقصاص الإلاهي والاجتماعي والتمثل بسيرة الأولين  ولا تنطلق من منطلقات فكرية وفلسفية حديثة من شأنها أن تناقش مشكلة الإنسان بشكل عام وليس مشكلة طائفة معينة وحزب معين وشعب معين، فالقضية ليست مذهبية وليست دينية ولا عصبية كونها قضية إنسانية كبرى تتعلق بمشاكل الإنسان أينماوجد
ولا بد من جرأة أدبية وفكرية في تناول ونقاش مثل هذه الأمور الهامة . وللأسف الشديد إن أي حوار عربي وإسلامي يدور حول هذه المسائل الحساسة يحكم عليه بالانحياز إلى التقاليد وليس إلى الفكر لعدم قدرة أصحاب الرأي والمفكرين بتحرير موضوعهم من العصبية والانحياز الذي يؤدي حكماً إلى مواقف متشددة يكون صاحبها في معظم الأحيان غير مقتنع بها ولكنها التقاليد التي تمس بالشرف والقيم الشائعة وبالتالي تصبح مادة لا تصلح للحوار .
وكل ما يقال في أجهزة الإعلام العربية وعلى لسان الخبراء والمتخصصين العرب ورجال الدين في المجالات الاجتماعية والفلسفية المحدودة خاضع لضغوط سلفية تجعل الحوار كحوار الطرشان وستبقى أمة غارقة بأوهامها والمياه تجري من تحتها، مع أنها تملك حضارة عميقة وتجربة إنسانية جيدة ينقصها إدارتها وتبليغها بلغة عصرية .
                                                       * رئيس تحرير مجلة " صدى البقاع "  اللبنانية المهتمة بشؤون المغتربين.
   بومة شقائق النعمان
 الحب الجديد هو أن ينمو بستان من شقائق النعمان الأحمر الربيعي فوق حقول رماد السنة الماضية .
  الحب الجديد هو أن تنمو الحدائق فوق أرض حرائق ما كان , وأن يبدو لي ما كان غابراً حت النسيان .  ( غادة السمان )

     

WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved 

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) - مهجريات - طفيليات ( عن حديقة النبي ) ( جبران خليل جبران )

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) -      مهجريات  
طفيليات ( عن حديقة النبي ) ( جبران خليل جبران )
ونظر عند ذاك مأنوس، التلميذ البحّاث، إلى ما حوله، ورأى أغراساً مزهرةً تعلقت على شجرة جمّيز، وقال: " ها هي الطفيليات يا معلم. ما تقول فيها؟ إنها لصوص ذات أجفان نهكها التعب، تسلب النور من أبناء الشمس أولي العزم، وتتباهى بالنسغ الذي يتدفّق في أغصان هؤلاء وأوراقهم."
                أجابه المصطفى قائلاً : "كلنا يا صديقي طفيليات؛ إنّنا نحن الذين نحوّل المدر إلى حياةٍ نابضة، لسنا أرقى من أولئك الذين يأخذون الحياة مباشرةً من المدر، دون أن يعرفوا المَدَر.
                " هل لأم أن تقول لطفلها : "أنا أردّك إلى الغابة، أمك الكبرى، لأنّك ترهقني قلباً ويداً"؟.
                " أم هل للمغني أن يزجر الأغنية التي ينشدها قائلاً : " عودي الآن إلى كهف الأصداء الذي أتيت منه، لأن إنشادك يستهلك أنفاسي"؟.
                " وهل للراعي أن يقول للفصيل الذي أدرك عامه الأول : " ليس لديّ مرعى أستطيع أن أقودك إليه، وعليك الآن أن تنفصل عن أمك، وتضحّي بنفسك في سبيل هذه القضيّة" ؟.
                "أصخ يا صديقي! كل هذه أسئلة تلاقي أجوبتها قبل أن تُطرح. وهي تتحقّق مثل أحلامك قبل أن تنام.
                " إنّنا نعيش بعضنا على بعض وفقاً للشريعة القديمة السرمدية. دعنا نعش هكذا في نعيم الحب. وإنّنا لننشد بعضنا البعض في وحدتنا، ونتسكّع على الطريق، حين لا يكون لدينا موقدة نجلس إلى جانبها.
                " إن أوسع طريق، يا أصدقائي وإخواني، إنما هو طريق رفاقكم من الناس.
         " وهذه الأغراس التي تعيش على الشجرة، تمتص حليب الأرض أثناء هدأة الليل الناعمة، والأرض بدورها ترضع ثدي الشمس أثناء حملها الهادئ.
 " والشمس، شأنها شأنكم، وشأني وشأن كل كائن، تجلس مساويةً لغيرها في الشرف، إلى مأدبة الأمير الأعظم ذي الباب المفتوح أبداً، والمائدة الممدودة أبداً.
              " يا صديقي مأنوس، كل ما هو كائن يعيش على كل ما هو كائن. وكل ما هو كائن يعيش بالإيمان الذي لا ساحل له، على رحمة العلي الأعلى."

     

 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) - من التاريخ - جوليا دومنا ... امرأة حمصية على عرش روما

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) -      من التاريخ   
جوليا دومنا ... امرأة حمصية على عرش روما ( خالد عواد الأحمد )
لم تكن جوليا دومنا تلك الفتاة الحمصية بارعة الجمال تحلم قبل ألفي عام أن تصبح السيدة الأولى في قصر الإمبراطورية الرومانية التي كانت من أعظم الإمبراطوريات في ذلك العصر ، رغم أن النجوم قد بشّرتها بزواجٍ ملكي،على حد وصف المؤرخ ( جان بابليون)  وكان هذا كافياً لسبتيموس سيفيروس العربي الليبي أحد ثلاثة قادة للجيوش الرومانية في عهد أحد أباطرة الانطونيين ( مارك أوريل أو ماركوس أوريليوس ) كما يُسمى بالرومانية . كان هذا كافياً له لأن يعمل على الزواج منها، وهو العسكري المجبول على إطاعة الأوامر العليا كما يصفه بابليون، وبخاصة إذا كانت تلك الأوامرآتية من السماء التي يجب اللجوء إليها في كل أمر عظيم .
 كانت حمص في العصر الروماني مشهورةً بعبادة إيلا غابال ( إله الشمس) الذي يرمز إليه حجر أسود مخروطي الشكل أُقيم في معبد الجبل ، المعبد الكبير والهام في حمص، وهو مكان الجامع النوري الكبير حاليا ، وكان الكاهن (باسيانوس الحمصي) هو المُولج برعاية هذا المعبد والعمل على خدمته،  وكان لهذا الكاهن ابنة تدعى (جوليا دومنا) على قدرٍ كبيرٍ من الجمال والذكاء ، وشاءت الأقدار أن يأتي إلى حمص القائد الليبي (سيبتيموس سيفيروس) بمهمة من الحكومة الرومانية للقضاء على الفوضى التي قامت فيها، ولقطع دابر الأشقياء والمفسدين، فقام بالمهمة خير قيام ، وفي حمص تعرف على باسيانوس وأُعجب بابنته إعجاباً شديداً ، وانتهى هذا الإعجاب بالزواج سنة 187 وجرى للعروسين احتفال
أسطوري يليق بهما،  ولم تأت سنة 193 حتى نادى الجيش بسيبتموس سيفيروس إمبراطوراً على روما ، وبذلك وُضع الأساس لصرح الأباطرة السيفيريين ذوي الأصل الحمصي عن طريق جوليا دومنا التي عملت على جلب أختها            (جوليا ميسا) وابنتي اختها (جوليا سوميا ) و(جوليا مامة ) إلى مدينة روما حيث امتزجت أسماؤهن بتاريخ روما، واعتلين عرشها الإمبراطوري بالتتالي.

 العاصي والتيبر

لم تكن سيدة القصر الإمبرطوري في روما  (جوليا دومنا ) امرأة عادية بل كتلة من المواهب العبقرية التي جعلتها تصنع جزءاً كبيراً من نجاحات زوجها الإمبراطور سيفيروس ، وكأن مقولة " وراء كل عظيم إمرأة"  التي تتردد كثيراً في أحاديثنا اليوم ، كانت حقيقة مجسدة في ذلك العصر .
          لقد اتصفت جوليا بكل الصفات التي جعلت منها أنثى استثنائية ، وهي صفات كانت نادرة الوجود لدى السيدات الرومانيات آنذاك ، من حدة في الذكاء ، وسعة في الحيلة، وإصابة في الحس، وعناد في الإرادة،  وجرأة وإقدام، وقوة فكرية ، واستطاعت جوليا بما أُوتيت من ذكاء وحزم وتخطيط أن تسهم مع زوجها في تصريف شؤون الإمبراطورية وأن ترافقه في رحلاته وانتصاراته، حتى منحتها روما لقب " أم الوطن " ولقب " أم الشيوخ " ، وأنشأت (جوليا دومنا) صالوناً ثقافياً في أثينا عرف بصالون الإمبراطورة ، كان يتردد عليه عدد كبير من أدباء وفلاسفة ومفكري ذلك العصر، من  أمثال الفيلسوف السفسطائي  (أبولويانوس) والشاعر ( أربياه ) والطبيب البارع (واربا ) والفيلسوف ( أبوجين أرتيني ) الذي أهداها كتابه( حياة الفلاسفة ) والمؤرخ (أثينوس وماربوس ماكسيموس ) والفيلسوف ( هيرود أتيكوس ) و( أبولي ) أمين سرالإمبراطورية ومؤلف كتاب ( الحمار الذهبي ) والمؤرخ (هيبرابوليس ) قنصل وحاكم بثينا الذي ألف كتاباً أسماه ( تاريخ السيفيريين ) واميل بابنياس الذي يعتبر اشهر الفقهاء في العالم وفي كل العصور وقد ولد في مدينة حمص عام 142 م وقتل عام212م بامر من كركلا ابن جوليا لانه رفض كتابة دفاع وتبريرلكركلا تبيح للأخير قتل اخيه  غيتا دفاعا عن النفس وكان جوابه المشهور الذي قتل بسببه ( أن ارتكاب جريمة قتل الوالدين ايسر من تبريرها ) ويعني تبرير قتل كركلا لاخيه وقال : ( ان تبرير قتل النفس ليس اسهل من اقتراف القتل ). 
 وساعدت جوليا على انتشار النفوذ الثقافي السوري في روما،وأحاطت نفسها بعددٍ  كبيرٍ من المفكرين والعلماء والأطباء السوريين ، وهذا النفوذ هو الذي دعى الشاعر اللاتيني (جوفنال) لأن يتذمر في هجائيته المسماة " بابل" بأن نهر (العاصي) السوري أصبح يصب منذ زمن بعيد في (التيبر) والحياة أصبحت في روما لا تُطاق من كثرة هؤلاء الأغراب الذين توافدوا على العاصمة واستقروا فيها .  وقد لعب الجانب الديني دوراً كبيراً في ترسيخ هذا النفوذ ، فسورية في ذلك الوقت كانت موطن الديانات الشرقية ، وموئل التدين والعبادات الشرقية في الوثنية الرومانية  وكانت الشمس في المعتقد السوري أقوى الآلهة، فهي تتحكم بمسار الأزمنة والأشياء  وتقود دورة النجوم ، وهي كما يقول " شيشرون " " قائد وملك كل الأنوار السماوية الأخرى والعقل المدبر للعالم كله " .
   ومن خلال معبد الشمس استطاعت حمص أن تتربع على عرش روما سيدة العالم في ذلك العصر لمدة خمسين عاماً تقريباً ، كمااستطاعت أن تفرض لفترة قصيرة عبادة إله الشمس الحمصي " إيلاغابال " الذي لا يُقهر كأعلى وأعظم الآلهة في مدينة روما  ومن الأعمال العظيمة التي انجزها سيفيروس مدرسة بيروت للحقوق التي  أنشأها إكراما لزوجته جوليا دومنا وتعتبر أشهر مدرسة للحقوق الرومانية في التاريخ، وأطول المدارس عمرا رغم أنها لم تكن الوحيدة ومما يدل على أن سيفيروس هو الذي انشأها المعبد الذي  اقيم لسيفيروس في بيروت ووضع داخل المعبد تمثال له، و " اجتذبت مدرسة بيروت للحقوق
   – كما يقول الباحث احمد غسان سبانو في دراسة بعنوان ( الأثر الشرقي في القانون الروماني – اللاتيني) كثيراً من الطلاب العرب والأجانب وذلك من مختلف مناطق الإمبراطورية الرومانية وكان من خريجيها كثير من الأباطرة ورؤساء الحرس الإمبراطوري والحكام القضائيين ورؤساء الديوان ( الوزارة ) وكثير من الوزراء والعظام وكان لأساتذة المدرسة شهرة فائقة وتأثير كبير في مؤلفاتهم على الحقوق الرومانية وهذا ما جعل مدرسة بيروت للحقوق أكاديمية جامعية ذات شهرة عالمية ، وقد قضى زلزال حدث في عام 551 م على المدرسة وهدمها فوق طلابها وأساتذتها كما هدم مدينة بيروت وذهب ضحية هذا الزلزال ثلاثون ألف شخص من سكان بيروت ومنهم عدد كبير من الطلاب الأجانب أبناء الأسر النبيلة . وعُثر على بقايا لهذه المدرسة منذ سنوات أثناء تجديد وسط مدينة بيروت .
   أيلا غابال
بعد وفاة (سيبتيموس سيفيروس) في إحدى معارك الرومان في بريطانيا بقيت الأسرة السيفيرية مسيطرة على حكم روما من خلال ابني سيفيروس من جوليا دومنا(كراكلا)   و( جيتا ) ولكن صراعاً دموياً نشب بين ال الأخوين اللذين كانا يكنان لبعضهما منذ الطفولة أشد أنواع البغض والكراهية، ولذلك حاول كركلا وهو الأكبرأن يجعل نفسه الحاكم الوحيد لروما، وفي سبيل ذلك دبّر اغتيال أخيه ( جيتا ) وهوفي جناح والدته الخاص ، وكان ( جيتا ) قد دُعي إلى ذلك الجناح للتوفيق والصلح مع أخيه كراكلا وأُصيبت جوليا نفسها بجراحٍ في يدها أثناء محاولتها حماية ابنها، وقد حدث ذلك في سنة/ 112/ وهي السنة التي منح فيها (كراكلا) حق الرعوية الرومانية ( المواطنة بالمفهوم المعاصر ) لجميع سكان الولايات الأحرار ، وكان آنئذٍ في الثالثة والعشرين من عمره ، ومنذ ذلك الحين حُكم على الإمبراطورة الوالدة التعيسة أن تبكي على موت الولد الراحل وعلى حياة ابنها الآخر غريب الأطوار.
وقفت والدة كراكلا مكتوفة اليدين تجاه تصرفات ولدها ،ولم تجرؤ على ذرف دمعة واحدة على ابنها الذي مات غيلةً ، وبعد خمس سنوات من توليه الحكم في روما قُتل كراكلا على يد قائد الحرس القضائي (ماكران) الذي نصّب نفسه بدلاً عنه ، ولما بلغ جوليا ذلك وهي في أنطاكيا أُصيبت بحالةٍ شديدة من الحزن والكآبة، وقد دفعتها هذه الحالة إلى محاولة الإنتحار جوعاً، ليس بسبب موت ابنها المكروه (كراكلا) بل لأنها لم تستطع التفكير بالعودة الى الحياة العادية بعد أن كانت تأمل أن تصبح الحاكم الوحيد لروما، وأن تجعل نفسها معادلةً لسمير أميس ، ونجحت أخيرا محاولاتها المتكررة في الانتحار، وحُمل رماد جسدها، ووضع في مدفن " أوغست " في روما دلالةً على المكانة الكبرى التي تمتعت بها عند الرومان ، وأعاد " ماكران " أختها وإبنتيها مع حاشيتها إلى حمص ، إلا أن الفرقة الرومانية الثالثة المؤلفة من الجنود السوريين أعلنت " أفيتوس " ابن كركلا ابن (جوليا سوميا) إمبراطوراً بعد إعلانه الانتصار على ماكران وتم الأمر لافيتوس الذي غلب عليه اهتمامه بالجانب الديني ، وأصدر أوامره بأن تُقام الطقوس الدينية للإله (ايلاغابال) في جميع أنحاء الإمبراطورية ، بل واصطحب معه الحجر الأسود إلى روما، وبنى له معبداً خاصاً على شاكلة معبد حمص في موقع كنيسة " سباستيان " الحالية كما رفع مدينة حمص إلى مصاف متربول المدن الكبرى .
 وقُتل أفيتوس غيلة أيضا، فحكم من بعده الإسكندر سيفر ووالدته (جوليا مامة) ابنة شقيقة جوليا دومنا الذي قتل هو الآخر على يد أحد قواده ، وبزواله زال حكم السلالة السورية من روما، كما زال السلم وعمّت الفوضى في أرجاء الإمبراطورية الرومانيـة.

     
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) - كبار أنجبتهم حمص - العلامــة الخـوري عيســى أسعـــد ( منير الخوري )

مجلة السنونو ( العدد الرابع ) -      كبار أنجبتهم حمص   
العلامــة الخـوري عيســى أسعـــد ( منير الخوري )
    
     صعب على المرء الابتعاد عن المبالغة والمباهاة حينما يتحدث عن شخص أحبه وعاش في ظلاله، وأقتبس من علمه وأخلاقه، وتنشق عبير المعرفة من أنفاسه، ومنه وعلى يديه تعمق في دراسة العلوم والآداب والمعرفة ومحبة الوطن العربي الكبير وأمته العربية!...
          وهل يتسنى لي الحديث بصدق واخلاص، وأنا الابن الوفي المحب لعلامة حمص الكبير المرحوم الخوري عيسى أسعد، وأن أكتب عنه ما قد يدخل الشك في قلوب مطالعي هذا المقال ويتمثلون بالقول المأثور : " كل فتاة بأبيها معجبة".. ولكنني؛ وبعد أن ألح عليَّ الصديق الكريم الأستاذ رضا منصور(1)، أرى لزاماً عليَّ أن أخط بقلمي نبذة عن سيرة الولد الحبيب، لم أكتبها بنفسي بل رأيت نقل أكثرها مما دونته في بعض مؤلفات، أفلام عدد من أثمة العلم والأدب من معاصريه، كالشيخ مصطفى الغلايني، الأب ماري انستاس الكرملي، الشيخ طاهر الأتاسي، الدكتور يوسف أسعد داغر، الأستاذ أدهم الجندي والأستاذ جرجي نقولا باز، وإنني لادونها بإيجاز في ما يلي:
          ولد الخوري عيسى أسعد في مدينة حمص سنة 1878 من أسرة عربية غسانية، تولت حكم وادي النصارى ( وادي النضارة حالياً) مدة ثلاثة قرون، وتلقي علومه الابتدائية في المدرسة الأرثوذكسية في حمص ثم أخذ يدرس على نفسه وعلى بعض علماء المدينة أبواب العلوم المختلفة وقواعد اللغة، وتعلم اللغات اليونانية والعبرانية والسريانية، ثم تعمق في دراسة اللغة العربية وقواعدها وآدابها، وحفظ القرآن الكريم إضافة إلى حفظه الكتاب المقدس، فأصبح مرجعاً علمياً يمد به ويؤخذ برأيه في الكثير من شوارد اللغة العربية واوابدها.
    في عام 1904 تزوج من الآنسة أسماء اسبر أورفلي ورزق منها بنون وبنات هم: سعدالله، فضل الله، ماري، اولغا، منير – كاتب هذا المقال وكمال.
    في عام 1905 سيم كاهناً للطائفة الأرثوذكسية في حمص.
 في سنة 1908 بنيت الكلية الأرثوذكسية في حمص وتولى فيها تدريس ما دتي التاريخ والآداب العربية وفلسفة الدين المسيحي.
    في عام 1911 ساهم بتحرير جريدة حمص، ثم تولى رئاسة تحريرها من سنة 1920 حتى نهاية عام 1931.
          كان الخوري عيسى أسعد عربياً مؤمناً بقوميته العربية، وينشد استقلال وطنه العربي عن الدولة العثمانية ولذلك اشترك في عدة جمعيات سرية، ولما ألقى القبض على صديقيه الحبيبين الشيخ عبد الحميد الزهراوي ورفيق رزق سلوم واعدمهما جمال باشا السفاح شنقاً بدمشق عام 1916 تبادر إلى الأذهان أن مصير الخوري عيسى أصبح بين يدي القدر، ولكن العناية الآلهية شاءت أن تشمله بعنايتها إذ لم يتمكن الأتراك من العثور عليه، لأن أحد كبار المسؤولين العرب من الموظفين تمكن من إخفائه عن الأنظار فترة طويلة، وظن الناس وقتئذ ولا سيما المغتربون منهم في البرازيل بأن الأتراك علقوا الخوري عيسى على المشنقة، فأقيمت هنالك الحفلات التأبينية ورثاه الخطباء والشعراء، واذكر على سبيل الذكرى بعض أبيات من قصيدة ألقاها الأديب الكبير جورج أطلس جاء فيها:
          شلت يمين أيادي الترك يا عيسى          ونكس الله أهل البغي تنكيسـا
          وبتاريخ 23/12/1949  أقيمت له حفلة تأنيبية كبرى في دار الكتب الوطنية بحمص، تكلم فيها عدد من رجال الفكر والسياسة معددين مناقبه العلمية وصفاته الوطنية ومنوهين بعظيم خسارة الأمة لفقده، كما أن الجاليات العربية في البرازيل والأرجنتين وتشيلي والولايات المتحدة الأميركية أقامت بدورها له الحفلات التذكارية التأبينية.
          كان منزل الخوري عيسى أسعد ندوة للعلم والمعرفة يؤمها المفكرون والعلماء والأدباء من سائر الملل والنحل يبحثون مع صاحبه شتى الموضوعات من أدبية واجتماعية ووطنية ويتزودون من معلوماته الوافرة وخبرته الطويلة في أساليب النضال ضد المستعمرين ما يزيدهم قناعة بصدق محدثهم. وإذا أضفنا إلى هذا إنه كان يمتلك مكتبة عامرة ضمت أكثر من خمسة آلاف مجلد في الأدب والتاريخ والفلسفة والفقه واللاهوت والاجتماع لتبين لنا ما كان لهذا العالم من ولع وشغف في طلب المعرفة والعلم.. وكثيراً ما كان الأدباء والسياسيون يدعونه لالقاء المحاضرات في أنديتهم ومقرات أحزابهم فيلبي الطلب ويبهر السامعين بجواهر كلماته وصدق حكمته..
          وتقديراً لإعماله الوطنية ومؤلفاته الجليلة الفائدة وفي مختلف العلوم والفنون فقد نال الأوسمة الرفيعة من الحكومات المختلفة: روسية ويونانية وبريطانية وسورية ولبنانية..
 صفاته ومزاياه:
          كاتب بليغ ومؤرخ ضليع، باحث مدقق وخطيب منوه، مرب كبير خرج أجيالاً من الشبيبة الناهضة، جدلي قوي الحجة، عرف عنه إنه كان يدافع عن آرائه ومعتقده وأمته بقوة وشدة وإيمان،  دونما لين أو هوادة، ودون أن يخرج عن آداب المناظرة، وله إلى جانب هذا كله مقالات وأبحاث تتسم كلها بالرصانة والتفكير السديد، نشرها في المجلات الكبرى في الشرق والغرب، كالمقتطف والهلال والسيدات والرجال والضياء والطبيب والنيران والمحبة والمنار والنعمة والكلمة والسائح والكرامة.
 من مؤلفاته المطبوعة:
          الطرفة النقية في تاريخ الكنيسة المسيحية، الجواب الهادي، سلاسل تاريخية، الماسونية وفيلسوف حريصا، الماسونية ومجلة المسرة، إنارة الأذهان في تاريخ الشهيد الحمصي أيليان، نهلة الظمآن في تاريخ الأفغان، زفرات القلوب، أساس الأسرة، آثار النصرانية في الديار الشامية، لماذا أنا أرثوذكسي؛ اقتن الحق ولا تبعه، نحن وشهود يهوه، ربيبة الصهيونية، تاريخ أرمينية، أبن رشد فيلسوف الحكمة والمنطق، نحن العرب وفرنسا في التاريخ، العربي السمح عبدالله ابن جدعان صاحب حلف الفضول، تاريخ حمص _ الجزء الأول من تاريخ وجودها حتى ظهور الإسلام.
          أما مؤلفاته المخطوطة فمن أشهرها، إرشاد هواة البيان إلى مواقع الحروف ومعانيها في القرآن، نواصع البيان في ما أشكل إعرابه في القرآن، تاريخ دير القديسة تقلا في معلولا، مذكراته الخاصة.
          هذه ومضات مقتطفة، نبضت بها قلوب العديد من إعلام امتنا العربية أضفتها إلى ما اختزن في قلبي البنوي من حب وإعجاب ووفاء لشخصية عظيمة أحببتها كل الحب لأنها كانت الشعلة التي أضاءت أمامي سبل العلم والمعرفة الوطنية.   
     ( 1 ) الأستاذ رضا منصور صاحب مجلة "المهاجر" في كندا التي استمرت عدداً من سنين واحتجبت منذ مدة قريبة جداً لأسباب لم تعرف.

     
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved