الثلاثاء، 17 نوفمبر 2015

مجلة السنونو ( العدد السابع ) - بلاد الجدود - مشهد ( نهاد شبوع ) + عصر الفقيد ( نبيه سلامة )

مجلة السنونو ( العدد السابع ) - بلاد الجدود
مشهد ( نهاد شبوع ) + عصر الفقيد ( نبيه سلامة )
 (مشهـــد..)
(مدخل إلى مقال "نبيه سلامة" في رثاء المعلم داود قسطنطين الخوري)
 
 نهـاد شبـوع
 
 
            مشهد من ماضٍ ما مضى.. نضيئه لقراء "السنونو" ذكرى بنفسج حييّ.. وحكاية جذور حمصية أمرعت على عتبة أفق جديد، مستأنسين بالعدد (6) من مجلة "الكرمة" المهجرية العتيقة المؤسسة عام 1914 على يد المعلمة الحمصية الأديبة "سلوى سلامة" في سان باولو البرازيل.. صوتَ حقٍ وشوق حضارة وتاريخ.
            كان عدداً قد خصّص لزهور كلمات باكية تنضفر أكاليل تقدير وتذكير ووداع للمعلم الراحل الكبير داود قسطنطين الخوري، المتوفي في أيار 1939، ومن ينسى شذى أزاهير هذا المعلم التي عبّأت المكان ونشقتها حمص فانتعشت وانبعثت من رماد أيامها وأحجار قبرها ؟!
            وكل هدفنا من هذا التجديف الخلفي نهلة نقية نتساقاها من دنان مهجرية أصيلة عصرها فرسان مهاجرون من المدينة الصغيرة، سافروا من غير أن يسافروا.. فظلوا في سمائها عالقين، حضوراً لا يغيب..!!
            بل كل هدفنا أن نستعرض أيضاً معاً قطعة تاريخ حمصي، كان داكناً مهمشاً، أنشق شيئاً فشيئاً عن قوس قزح سماوي، منه انداح نور خجول رحيم، ما عتم أن صار طلائع إيقاظ وإنقاذ عملاً في المدينة النائمة دفعاً ونهوضاً نقلة نقلة.. مستحضرين في الحالين وجهاً أنيساً حبيباً طيب الإشراق دفاق الأشواق كثير الوفاء للبلد المتروك والأهل ومغاني المنى والعمر..!!
            وجه الشاعر الحمصي الألوف نبيه سلامة ـ طيب الله ثراه ـ الذي هو ذاته سيطوف بنا في أعماق زوايانا الحمصية النائبة في الزمان،  كي تعصي على النسيان، عسانا نتلاقى بقامات مَنْ غزلوا لحمص أول خيط شعاع انتسج لها عباءة نور دثّرت عريها الثقافي.. وأنعجن قرص قمرٍ همى عليها مناً وسلوى وبشائر فجر يولد ويتسع ويشع..
            نبيه سلامة: يا محيي كل هؤلاء أيها المحب حتى نكران الذات! أعارف أنت مدى حاجتنا إليك في هذا "الآن" المتحجر المكفهر وحشةً.. وخيبةً.. وقطيعةً.. وتنكرَ قريبٍ لقريب وجسرٍ لعابر مشوق صديق..!!
أدارٍ اليوم بتكسر الأيام والدروب أمام أقدام تمشي وكأنها تغلط بالدرب إلى المحبة والحنان المجانيين.. بل حتى إلى السلامة والطمأنينة!؟
نبيه سلامة ما أشد عطشنا إليك..! إلى نبل قلبك وجوهر لبك.. وسعة صدرك.. عد إلينا قطرة تنعش، ولو خلسة.. إن لم تعد حلماً إنسانياً عذباً بات في عالم اليوم محظوراً مزدرى.. أو دفقة عاطفة صادقة أضحت على صاحبها وصمة عار يخبئها ولطخة جنون، يستحي بها، بل موضع هزء ونفور ونبذ..
نبيه سلامة: كن ظاهرة تتكرر لشاعر إنسان طيب معاصر نقي صادق منفتح ببراءة على الآخر.. كن في قلب سنونونا ساكناً وبه إلى الأبد مسكوناً.. نبيه سلامة: لا تمت عنا بالموت رجاءً..!!
 
*          *          *
كلمة "نبيه سلامة" التي أضاءت المشهد المذكور وقد جاءت بعنوان:

    عصر الفقيــد
نبيه سلامة
 
           

 

قبل أن يأتيكم الخطباء بحياة الفقيد، وصفوة أعماله، وجهاده في سبيل التعليم لا بدَّ لي من كلمة تمهيدية لعصر الفقيد ونشأته لتكون معواناً للسامعين على تقدير الرجل العامل.
            فاتركوا سان باولو وعودوا معي إلى حمص ولنرجع بالتاريخ القهقري حتى نبلغ عام ألف وثمانمائة وسبعين.
            البلد لا يزال يئنُّ من وقع ثورة الستين، فالمسيحيون قابعون في عزلتهم، والمسلمون ناقمون على نفر من السوقة خارج حمص أساء إلى عواطف الفريقين المتحابين ويتمنون على الفرص أن تعيد للنفوس طمأنينتها.
            وفي هذا الجو العاصف كان فتىً يافع يقود صبياً من يمناه، ويخترق به أحياء المدينة خشية اعتداء معتدٍ. حتى إذا وصل به باباً ضيقاً ينداح في داخله عن بهو رحب، تغمره الطنافس الثمينة، وتزين جدرانه الآيات الكريمة، احتفى الصبي ومشى خافض الرأس يسترق اللحظ خلسة إلى الزاوية، حيث جثم شيخٌ معمم، وعندما يشعر بمداناته يقع على ركبتيه ويلثم يده، ويظل ساجداً منحني الرأس والشيخ يتلو عليه آيات اللغة من صرف ونحو وبيان والصغير يلتقط ما يستطيعه دون أن يبدي حركة أو يسأل أو يستفهم، لأن الرعشة التي أوجدتها الثورة تأخذ عليه الجرأة، والشيخ مسترسل في شرحه لا يدرك ما يدور بنفس الصغير، حتى إذا آذانه بانتهاء الدرس لثم اليد من جديد ونهض وأقفل يتعثر بالسجاد إلى الباب حيث ينتظره الشاب.
            وكان الشاب إبراهيم الحوراني، والصغير يوسف شاهين وقد كان والده حائكاً للشيخ فأنس في الصبي نجابة فحبب لوالده الدرس، وابتدأت حياته التعليمية، وإذ خشي الوالد وعورة المسالك أصحبه بصانعه إبراهيم.
*****
            لنترك يوسف وشيخه ولنلتفت لناحية ثانية من البلد حيث الصغار يهزجون، وبينهم صغير مكتوف اليدين وعليه الثياب المزركشة وأمامهم جلف خشن، يهشُّ عليهم بعصاه كلما توقفوا عن الإنشاد، وأهل الحي من الجانبين يرتعون الكوى بالمحاجر.
            فما للصبية والشيخ؟ وما لتلك الضحية بينهم، ألبسوها الدمقس وكبلوها، فكأنها زنوبيا عندما قهرها الرومان، مكبلة وإنما بقيود ذهبية.
            وظل الأولاد في أناشيدهم والعجوز يتقدمهم حتى بلغوا داراً خفَّت لاستقبالهم، فنساؤها تزغرد ورجالها تهلل، وهنا تقدم الشيخ من السجين الضاحك وفكَّ عقاله وسلمه لأبيه مهنئاً بنابغة أقرانه. ونال ما يتكافأ مع جهاده. وعاد مع الجيش اللعوب. وتربع الصغير في المنزل تغمره القبلات وتعلق به الأبصار.
            وكان صغيرنا حبيب سلامة وقد أكمل المزامير والأكيتو خوس. وهما غاية ما عرفه ذلك العصر من العلم. فاحتفى به أستاذه ورفاقه كأنه عائد من الجامعات الكبرى.
            وكان في ضيافة البيت قس بيروتي فهنأَ والد الصبي بين المهنئين وأثنى على ذكائه. ولكن الوالد لم يشأ أن يترك الفرصة تمرُّ ما لم يأتِ بالبرهان. فدعا أبنه للقراءة. فهبَّ حبيب فرحاً طروباً وتناول الكتاب وقرأ بصوت رزين ونبرات عالية، وهو بين الفينة والفينة يحدق بالضيف تيهاً ويتلدد خيلاء.
            ولما سأل الأب ضيفه عن رأيه بالغلام أجابه بلا مبالاة أنه يلحن كثيراً.
            ـ وما اللحن؟
            ـ هو تغيير أواخر الكلم خلافاً
             للقواعد
            ـ وما السبيل لتجنب ذلك؟
            ـ في الصرف والنحو
            ـ وأين يكونان؟
            ـ في ألفية أبن مالك
            سمع حبيب ذلك فأخفض رأسه واغرورقت عيناه بالدموع وانزوى عن الأبصار لا يكلم أحداً حتى ذهب والده يرتاد المكاتب الإسلامية وأبتاع له ألفية بن مالك.
            فأستظهرها الصبي برغبة أكيدة، وأعقبها بشرح أبن عقيل ولكنه ما كان يستطيع أن يميز بين الفاعل والمفعول والاسم والحرف وليس في محيطه من يدله على ذلك.
            فلنترك حبيباً يتصارع مع الألفية ولنجل في ناحية ثانية من البلد.            
*****
            في البهو رجل جليل وزواره كثر، هذا يتطلب حل قضاياه، وهذا يودُّ أن يعرف مصير دعواه وذلك يتطلب الملح والحديث العذب.
            وفي الغرفة المحاذية صغير تغمره أكداس الكتب يتناولها ويقلب في صفحاتها لاهياً، وتنقلب مع الزمن الهيته إلى رغبة في استنباط مكنوناتها. وتحمله الغيرة على ذلك وهو يصبو للمكانة  التي يتمتع بها والده ويودُّ لو كان عالماً أذن ليكفى أباه مؤنة السائلين. وأنى له ذلك والأب في العمل الشاق يودع آحاداً ليستقبل عشرات والصغير كلما سنحت له الفرص يسأل الأب عن هذه وتلك والأب يجيبه باختصار لا يبلُّ اواما، ولا ينقع غلة، وكثيراً ما يغيب الأب عن البلد لأعمال قاهرة فيقبع الصغير بين كتبه يغالبها وتغالبه وهو في كل ذلك جلود صبور لا يرتدُّ عنها ما لم يقهرها.
            فرجلنا هذا هو قسطنطين الخوري. وكان يتعاطى حل القضايا الحكومية ويسافر لأعماله التجارية وصغيرنا هو داود الخوري الذي نجل ذكراه اليوم.
            ويشبُّ صبياننا ويدخلون في معمعان الحياة فتجمعهم المقادر في مكان واحد. ففي دكان حقير كان داود الخوري يعمل في دوارته، وإلى جانبه حبيب سلامه يحيك في نوله. وفي الشقة الثانية من الدكان يوسف شاهين يحيك في نوله أيضاً. وقد فصل بينهم جدار وقرَّبت بينهم نافذة كبرى فكأنهم في مكان واحد.
            ويتعارف الثلاثة، وتشتد بينهم أواصر المحبة وتربطهم المعلومات الضيقة التي التقطوها.
            فيتقدم يوسف شاهين بمعلومات شيخه المشوهة لأنه حفظ شيئاً وغابت عنه أشياء. ويتقدم حبيب بألفيته العجماء ويأتي داود بذخائر كتبه المغلقة، وتبتدىء فيما بينهم ساعات الاستقراء والاستنباط.
            وكانت أجواء الجهل تهيمن فوق البلد والمدارس كتاتيب حقيرة توصل طلابها للاكتويخوس والمزامير والمسلمون يمتازون بشيء من الصرف والنحو.
            فلمع نجم شباننا المجتمعين، وأخذت تتحدث بهم المجالس ولاقوا من المعارضة والكيد ما يتعرض له كل مصلح، ولكنهم صبروا على ذلك وملكوا ناصية اللغة وتعدوها للرياضيات والتاريخ والأدب.
            وأنس فيهم رجال الطائفة هذا الاجتهاد فاستدعوهم لتسلم مقاعد التدريس. فنزلوا عند الرغبة الملحة وتخلوا عن أعمالهم اليدوية وباشروا بالعمل الفكري المنتج، وهدموا الكتاتيب الرثة وأبدلوها بمدارس رسمية وأنفرد كل منهم بناحية. فالأستاذ يوسف شاهين للآداب والنحو، والأستاذ داود الخوري للرياضيات والموسيقى والأستاذ حبيب سلامه للصرف والتاريخ والإدارة، وصمدوا مجتمعين للانتقاد والتهكم وسارت السفينة باسم الله مجراها.
            وجاء المطران اثناسيوس عطا الله، وأشرف بنفسه على هذه الحركة المباركة وغذاها بتنشيطه واهتمامه.
            واستلمت الجمعية الفلسطينية الروسية المدارس في حمص وظل أصحابنا الثلاثة دعائمها.
            فهل كان عملهم مثمراً ؟؟
            لنترك حمصاً في عصرها ذاك ولننتقل فجأة إلى عام ألف وتسعمائة وأثني عشر ولنسمع المحامي البيروتي عزيز عوض يتكلم:
            جاءت سورية بعثة فرنسية لتدرس حالة البلاد العلمية، وبعد أن درست ملياً أعطت تقريرها. فكانت بيروت البلد الأول في العلم وحمص البلد الثاني. وقد دهشت الأوساط العلمية لهذه النتيجة، فأين بقية البلدان السورية التي تغص بمئات الألوف؟ وأين معاهدها؟ وأين معلموها؟.
            كل تلك البلاد كانت في مستهل حياتها العلمية وحمص بلغت مكانتها السميا بفضل أبطالنا الثلاثة.
            ولنترك حمصاً عام 1912 ولننتقل فجأة إلى عام ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين ولندخل أحدى مدارسها ولنسمع تلاميذها ينشدون:
 
ذكر دار العلم هذي              طبـق الآفــاق
في فلسطين ومصر              وحمى العراق
فبنــو لبنان والشـام               لهـــــم رفــاق
فيك يا حمص العدية             منبت الأخلاق                  
 
       ولم يكن النشيد مبالغاً، ولا متعصباً لحمصيته بل هي الحقيقة الراهنة، فحمص أصبحت محجة الطلاب من مصر وفلسطين والعراق والموصل وكافة أنحاء سوريا ولبنان.
            ولو بحثنا عمن أوجد تلك الحركة الفكرية الجبارة لرأينا أمامنا صبيتنا الثلاثة: يوسف، حبيب، داود. اللذين كابدوا شتى الآلام في الحصول على الدرجة الأولى.
            وفقيدنا الذي نحيي ذكراه اليوم هو واحد من الأشعة الثلاثة التي أذابت نفسها لتنعش أمتها، وسيسمعكم الخطباء قسطه من الجهاد.
            ففي ذمة الله الأستاذ الراحل وعزاء يا حمص.
 
*          *          *
نبيه سلامة (1908ـ1994): شاعر حمصي هاجر إلى البرازيل عام 1936، وظلت روحه في حمصَ هائمةً.. له ديوانٌ شعريٌ جميل طُبع في البرازيل تحت عنوان (أوتار القلوب) مع مؤلفات أخرى. 

 
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved 

مجلة السنونو ( العدد السابع ) - ما علينا وما عليهم - دفاع عن الغرب ( عبد المعين الملوحي )

مجلة السنونو ( العدد السابع ) - ما علينا وما عليهم
دفاع عن الغرب ( عبد المعين الملوحي )
        
         أعرف سلفاً أن هذه الكلمة ستثير زوبعة، فأي إنسان يجهل ما يتهم به الغرب من مادية ووحشية وفقد للقيم وانحطاط في الأخلاق؟ وأي إنسان يجهل أن فلاسفة الغرب أنفسهم يحملون عليه ويؤكدون انهياره..؟
          وأي إنسان لا يرى أن دواء الغرب في استعادته لروحانيته..؟
          وأي إنسان لا يرى أن الشرق هو مهد الروح وهو الدواء الناجع لمادية الغرب، أنا أعرف كل هذا ومع ذلك فسأدافع عن الغرب، وأعلن:
  ـ إن كل ما يقال عن روحانية الشرق أسطورة من الأساطير.
  ـ وأن الغرب رغم كل ما يقال عن ماديته أكثر روحانية من الشرق.
  ـ وأن الإنسان في الغرب أكثر إنسانية من إنسان الشرق.
  ـ وإننا في الشرق ـ ما عدا اليابان ـ ما نزال نعيش على منجزات الغرب في الصناعة والعلوم التقنية، بل ما نزال نستورد منه وسائل الدفاع والغذاء والدواء.
  ـ وأنه يتمتع ـ على أقل تقدير ـ بما لا يتمتع به إنسان الشرق:
أ‌-       بالحرية التي هي في الشرق حلم من الأحلام.
ب‌-   بالصحة التي هي في الشرق وهم من الأوهام.
ج- بالتعليم، والأميون في الشرق يتجاوزون 80% من عدد السكان.
د- بالشبع، والناس في الشرق يموتون بالملايين من المجاعات.
هـ بالمؤسسات الاجتماعية التي ترعى الكهول وأصحاب العاهات، والعجزة، وأصحاب العاهات يملؤون في الشرق الساحات والشوارع، ويزاحمون المشاة في الطرقات..
و- بالرفاه المادي والرفاه المادي يعين الإنسان على الحياة السوية وعلى النظافة الشخصية والعامة.
      ـ لا أنكر أن الغرب يجتاز كثيراً من الأزمات: وجود العصابات، ارتفــاع نسبـة القتـل، زيـادة الإرهاب، ولكن هذه الآفات موجودة أيضاً في الشرق.
 ـ وتقولون أن العلاقات الشخصية والعائلية أرقى في الشرق وأكثر إنسانية وربما كان في ذلك شيء من الصدق ولكن تطور الحضارة سيملي على الشرق كما أملى على الغرب هذا النوع من العلاقات، وقد بدأنا نشهد في الشرق طلائع هذا التطور. وأرجو أن تصل العلاقات العائلية إلى مستوى أكثر سلامة وواقعية. لا أريد أن أذكر حوادث مذهلة تجري في الشرق على العموم، وفي بلادنا، يخون فيها الأخ أخاه ويقتل الابن أباه، وكل الناس يعرفون أنها موجودة، وأن كانت قليلة، ولكنها تدل على نمط السلوك الفردي والاجتماعي في المجتمعات المتخلفة، وفي المجتمعات المتقدمة على حد سواء، وذلك لأن الإنسان هنا وهناك ما يزال يحمل في أعماقه رواسب الحياة الماضية.
لقد انتقلت الرحمة الفردية التي تكتفي بإعطاء درهم لفقير في الشرق إلى رحمة جماعية  في
 الغرب، تقوم على بناء المستشفيات والمؤسسات العامة، بل أن هذه الرحمة انتشرت لتشمل عدداً غير قليل من البلاد الشرقية، التي يفتك الجوع بالملايين من سكانها، فإذا هي تتلقى من الغرب ما يعينها على البقاء، ويبقى الشرق عاجزاً عن مد يد المعونة إليها، لأن كل أقطاره فقيرة متخلفة يستحق أكثرها معونة الغرب.
          ثم أن الغرب يرسل الأطباء والأدوية، واللقاحات لمكافحة الأوبئة والأمراض في الدول المتخلفة، وقد ساهم فعلاً في إنقاذ عشرات الألوف من الأطفال المرضى. والدمعة التي يسكبها الشرقي حزناً على فقير أو مريض جفت في عين الغربي، إلى حد بعيد لأنها تحولت إلى عمل، إلى يد تعطي:
          أن الحنان الفردي تحول إلى تضامن اجتماعي راق، فليس المهم أن يبكي الإنسان رحمة لفقير أو مريض، وإنما المهم أن ينقذهما من الفقر والمرض ثم لا يبكي، فالبكاء سلبي والإنقاذ ايجابي أذن.. فلماذا يفتخر الشرق بإنسانيته؟ كأنه أستكمل عناصر الإنسانية فيه، وهو ما يزال في أول الطريق إليها؟.
          أعتقد أن هذه الفكرة الخاطئة كانت وما تزال خدعة كبيرة وفخاً يقع فيه الشرقي لكي يجتر أوهامه ويعيش على أحلامه، ولو عرف أنه لا يمكن أن يحقق إنسانيته إلا بتحقيق الحرية والديمقراطية ورفع مستواه الصحي، والقضاء على الأمية، وزيادة دخل أفراده والوصول إلى مستوى مادي واقتصادي معقول، لكف عندئذ عن هذا الوهم الذي يزيد في تأخره ويقنعه بحياة الذل والقهر والجوع والجهل.
 
          لا أريد أن أهاجم الشرق، فنحن شرقيون ونعرف كيف نعيش، وماذا نقاسي، ولكني أريد أن أدافع عن الغرب الذي يهاجمه حتى أهله لأنهم يريدون أن يكون أكثر إنسانية وروحانية، وفرق بعيد بين من يهاجمك لتكون أكثر خيراً، وبين من يخدعك ويدافع عنك لتبقى على ما أنت عليه من شر.
          إن الحياة المادية تعين الحياة الروحانية وتمدها بأسباب بقائها وانتشارها، وليست الحياة المادية الراقية مسؤولة عن تدني الحياة الروحانية إلا حين تتخلى عن الإنسان وتبقى مطلوبة لذاتها لا لخدمة المجتمع. وأقول أخيراً:
          كفاك أيها الشرق عيشاً في أوهامك الوردية التي توهمك أنك إنسان يتمتع بإنسانيته وهو محروم من أكثر عناصرها إن لم نقل من كل هذه العناصر.
          وهيا أيها الغرب، إلى حياة أكثر إشراقاً بالمثل العليا، وأكثر تحقيقاً لإنسانية الإنسان.
         
وخلاصة هذا الموضوع المثير أننا إذا أردنا الأنصاف نقول:
1-    أن في الغرب سلبيات، ولكن إيجابياته أكثر من سلبياته.
2-    أن في الشرق إيجابيات، ولكن سلبياته أكثر من إيجابياته.
 
*          *          *
 
ملاحظة:
          أنا أعرف أن هذا الموضوع يحتاج في شرحه إلى كتاب طويل، وأرجو أن يكتبه من هو أقدر مني على فهمه ومعالجته.                                 
In defense of the West or
Swimming against the tide

Abd Al-Mueen Al-Maluhi               Translated by: Dr. Nadeem Kandalaft
 
Everyone in the East accuses the West of materialism and brutality, lack of values and deterioration in ethics.
 Everyone believes that redressing the West lies in recalling its lost spirituality.
 Everyone sees that the East is the birthplace of spirituality and that this spirituality is the panacea of the West's materialism.
 I know all that, yet I venture to defend the West, although I am sure that in doing so I am committing suicide, socially. In its defense, I state the following:
 - All that is said about the spirituality of the East is a myth.
- The West, in spite of all what is said about its materialism, possesses more spirituality than the East.
- Westerners are more humanistic than Easterners.
-We, in the East, except for Japan, still live on the fruits of the West's achievements in industry, science, and technology. In fact we still import from it all our defense equipment, nutritional items and medicines.
- Westerners at least enjoy what Easterners are deprived of, such as:
    - Freedom that is still a dream in the East.
    - Health that is still an illusion in the East.
    - Education, while 80% of Easterners are illiterate.
    - Satiation, while millions of Easterners die of famines.
    -Social institutions that give care to the elderly and handicapped while these, in the East, occupy the streets and squares and block the way of passers-by.
    -Material prosperity which helps people to live decently, with personal and general cleanliness.
- I do not deny that the West suffers from a number of crises: the existence of gangsters, the high rate of crime, terrorism etc…, but these also exist in the East.
- People here say that the family and personal relationships and ties are closer and more humanly than in the West, which may be true. However, the march of civilization will dictate on the East the sort of relationships that it did before on the West, the forerunners of which we have started to see. In the East as in the West some regretful incidents still occur: a brother kills his brother, a son his father etc… This shows that the pattern of personal and popular behaviour is the same in both advanced and developing communities. This is so because people, here and there, still carry the residues of the past.
Individual compassion, which in the East is satisfied by giving a penny to the poor, has been replaced in the West by building hospitals and popular institutions. In fact this sort of compassion has been spread out to include a good number of Eastern countries, where millions of its inhabitants die of hunger, helping them to survive. Eastern countries, meanwhile, sit still unable to help because all of them are poor, underdeveloped, and need help.
 
Furthermore, the West sends to the underdeveloped countries physicians, medicines, and vaccines, to combat epidemics and diseases that have saved tens of thousands of children. The teardrop, which an Easterner sheds in compassion with the poor, has dried up in the eyes of the westerner, because action has replaced shedding tears. A dignified social solidarity system has replaced individual compassion. What is important is not shedding tears for the poor but helping them and saving them from illnesses and diseases. Shedding tears is negative, action is positive. How could the East then boast about its humanistic superiority!.
I think that this wrong idea the Easterner holds about himself is not but a way to help him ruminate his illusions and live in his dreams. But, if he realized that he would not achieve his humanitarian fullness except by freedom and democracy, by achieving a high standard of health, by abolishing illiteracy and increasing incomes to achieve prosperity, he would stop these dreams that add to his backwardness.
I am an Easterner and know how we in the East live and what we suffer from. I do not want to attack the East but to defend the West which is under attack even by its own people. They want it to be more humanitarian and more spiritual, which by itself a good sign. There is a great difference between those who attack you to become a better giver and those who defend you to keep in  your miserable state.
Prosperity supports spirituality and helps it to survive and to spread out. Prosperity cannot be held responsible for the degeneration of spirituality, except when it abandons and forsakes human beings, and be sought merely for personal purposes and not for the well-being of the community.
 
In conclusion I say:
1-     There are negative points in the West, but its positive ones are many more.
2-     There are positive points in the East, but its negative ones are many more.
*              *              *

Remark: I know that this subject requires a much deeper discussion and explanation. I beg those who are better-informed than me to undergo the task.
       
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved
 

مجلة السنونو ( العدد السابع ) - الوطن في عيونهم - يا حمص ... ( ميشال مغربي )

مجلة السنونو ( العدد السابع ) - الوطن في عيونهم
يا حمص ... ( ميشال مغربي )

يا حمصُ يا حمصُ الحبيبةُ مرحباً
          بنسيمك المتعطــرِ الأذيــالِ
برياضكِ الغناء، بالأشجار، بالأ
          ثمارِ، بالأزهــارِ، بالإظـلالِ
بديار أحبابي بأربـع صَبوتــي
          بسرير أحلامي بجـوِّ خيـالـي
أحجاركِ السودُ الحبيبةُ فتنتـي
          لا "اللوفر" لا القاعاتُ من "فرسالِ"
يا جنَّةٍ "الجنديِّ" يا فردوس "ديكِ
          الجنِّ " يا نجوايَ في أغزالــي
 
*        *        *
 
عاصيَّ يا عاصيَّ ها أنا عائدٌ
          خلِّ الأنينَ وخفَّ لاستقبالـــي
أولستَ تذكرني صبيّاً حالماً
          يغشاكَ في الإصباحِ والآصـالِ
متفرداً، متشـرداً، متردداً،
          للوعـرِ، للميمـاسِ للشــلاّلِ
 
*        *        *
 
أني أمرُّ على ربوعِ شبيبتي
          ومواكبُ الذكرى تمرُّ حيالــي
مترفقَ الخطواتِ لا اطأ الثــرى
          ألا وقلبي سابـــقٌ لنعالــي
ولقد اكبُّ على الحجار مقبلاً
          واكحّلُ الأهدابَ بالصـلصـالِ
وأحجُّ يدفعني دمي لمنـازلِ
          الآباءِ والأعمــامِ والأخـوالِ
فيمضني ألاّ أرى جدرانـَها
          للقاي ترقصُ رقصةَ المختـالِ
تلك المنازلُ فارقت نزّالَهـا
          وغدَت لغيرهمِ مـن النــزالِ
رحلوا لدُن دقَّت على أبوابهم
          أيدي الردى بمطارقِ الآجــالِ
 
*        *        *
ولقد قصدتُ الحيَّ حيث مكانُهُم،
          ومكانُهُم في الحيِّ منهم خالـي..
فمضيتُ أنتهبُ الخطى لقبورِهم
          حتى وصلتُ مقطَّعَ الأوصـالِ
وتوافدت أشباحُهُـم وتخالطَـت
          أصواتُهم عن يمنتي وشمالـي
كلٌّ يطيـلُ عتابَـهُ وخطابَـهُ        
          كلٌّ يبادرني بألــفِ سـؤالِ
فتلعثمت مني الشفـاهُ كآثـمٍ
          متطلبٍ صفحاً بـلا استئهـالِ
 
*        *        *
 
وأخجلتاه أحبتـي لكنَّنــي
          كنتُ البعيدَ ولم أكـن بالسالـي
أنا ذلك المغبونُ بائـع قلبـهِ
          بعنـادهِ وجهـادِهِ المتـوالـي
أثرُ النضالِ على الجبين ترونَهُ
          ما كان أضيعَ في الحياةِ نضالي
أوَ هل تُراني كنتُ يوماً نازحاً
          ولقد نزحتُ وما قطعتُ حبالـي
 
*        *        *
الأمُّ تجملُ في عيونِ وليدهـا
          ولَوَ أنها فـي أعتقِ الأسمـالِ...!!
 
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved 

مجلة السنونو ( العدد السابع ) - حمصيات عتيقة - ذيل الحمار ( معتصم دالاتي )

مجلة السنونو ( العدد السابع ) - حمصيات عتيقة
ذيل الحمار ( معتصم دالاتي )
 
قد يكون دخول باصات النقل الداخلي إلى مدينة حمص منتصف الخمسينات من القرن الماضي، وانتشارها لعب دوراً هاماً ولو في جزء من نمط الحياة لدى أهل المدينة. إذ أن سبعة قروش ونصف القرش أي فرنك ونصف، كان هذا المبلغ البسيط كافياً لإيصالك إلى أي مكان في المدينة، في حين أن العربات السوداء التي يجُّر الواحدة منها حصانان كانت هي الوسيلة السائدة والمتاحة للتنقل وقضاء المشاوير، بالإضافة إلى سيارات التاكسي المحدود عددها وانتشارها، وأجرة التوصيلة بالعربة السوداء كانت تتراوح بين الخمسين والخمسة والسبعين قرشاً أي بين النصف ليرة وثلاثة أرباع الليرة السورية. والفرق كبير جداً بين المبلغ الذي يتقاضاه حوذي العربة السوداء، وجابي الباص.
            مع دخول باصات النقل الداخلي وانتشارها بدأت العربات السوداء بالتقلص شيئاً فشيئاً، ثم الانقراض. مثلما أخذت الميكروباصات أو السرافيس تطغى على باصات النقل الداخلي كوسيلة للانتقال داخل المدينة هذه الأيام.
            لا أذكر متى تم وضع الشارة الضوئية في مفترقات الطرق كوسيلة لتنظيم مرور السيارات والمشاة؟ لكن في ذاك الزمن أي مع دخول باصات النقل الداخلي وقبلها، كان السير كيفياً لمن يمتلك أرجلاً أو قوائم أو دواليب، من بشر وبهائم وعربات أو سيارات. وكان مركز تجمع العربات السوداء عند ساحة الساعة القديمة، والتي يوجد مثيلاً لها في معظم المدن السورية والفرنسية أيضاً حيث نشاهدها في بعض الأفلام الفرنسية. فهذا النموذج من الساعات هو من آثار الفرنسيين ومخلفاتهم، وهي ذات ثلاثة وجوه. وقد كان أحد أوجهها يعمل بالتوقيت الغروبي حيث أن المغيب أو آذان المغرب يتم توقيته على الساعة الثانية عشرة، وهذا توقيت ثابت لا يتغير أو يتبدل جميع أيام السنة، وكانوا يسمونه التوقيت العربي. أما التوقيت الآخر والمعمول به حالياً في جميع وجوه الساعة تلك وباقي الساعات فهو التوقيت الزوالي أو الإفرنجي كما كانوا يسمونه وهو يتواقت مع انتصاف النهار حيث تكون الشمس عمودية على الأرض.
            أعود للحديث عن الساعة القديمة والساحة المتاخمة لها من ناحية الجنوب حيث كان مركز تجمع العربات السوداء والحمالين مع حميرهم أو عرباتهم الخشبية التي كان يجرها حمار أو بغل أو صاحبها، فلم تكن السوزوكيات أو سيارات البيك أب قد دخلت المدينة بعد. كما كان العمال الميامون بمختلف حرفهم ومهنهم يتواجدون في نفس الساحة، كل بانتظار الزبون الذي يحمل الرزق المقسوم من عند رب العباد.
            في عصر أحد أيام الصيف القائظ، وفي تلك الساحة المشاع استعمالها من قبل البشر والعربات والدواب، كان أحد الحمالين يتمدد في أحد أركان تلك الساحة ملاصقاً لحماره في قيلولة ما بعد الظهر مستفيداً من الظل والفيء الذي أحدثه ذاك الحمار على الأرض إذ وقف شاب ليوقظه من غفلته ويسأله بخبث أو بلادة: كم الساعة الآن يا عم؟. وكان الناس في ذاك الزمن يتمتع معظمهم بكثير من رحابة الصدر، ولم يكن التعصيب أو النزق منتشراً آنذاك فالحياة بسيطة كما الناس والهموم لم تكن ضاغطة عليهم كما هذه الأيام. فما كان من الحمال الذي صحا من غفوته إلاّ أن مد يده إلى ذيل الحمار ليرفعه قليلاً ولينظر من خلال القائمتين الخلفيتين للحمار ويجيب بأن الساعة تشير إلى الثالثة والثلث. عاد الشخص إياه بعد ربع ساعة ليسأل الحمال المستلقي بجانب حماره نفس السؤال. فيتصرف الحمال نفس التصرف ويجيب بأن الساعة ثلاثة ونصف وخمس دقائق. وكررها الشاب مرة ثالثة والحمال المستلقي بظل حماره يرفع ذيل حماره من خلال قائمتيه الخلفيتين ليجيب عن التوقيت بدقة وطول بال.
            وحين سأل هذا الشاب ذاك الحمال مستغرباً علاقة ذيل الحمار بمعرفة التوقيت، قام الرجل من مكانه وقال له: تمدد مكاني وأنظر حيث كنت أنظر. ففعل الشاب ما طُلب منه وقال: لا أرى سوى قائمتي الحمار وذيله. قال: أرفع الذيل. ففعل. قال الحمال: ماذا ترى من خلال قائمتي الحمار بعد أن رفعت الذيل؟ قال: أرى الساعة.. عندئذ أجاب الحمال بنزف شديد: هل عرفت الآن كيف أعرف التوقيت يا حمار؟.
 
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved 

مجلة السنونو ( العدد السابع ) - حمصيات عتيقة - الداعور ( كامل دعدوش )

مجلة السنونو ( العدد السابع ) - حمصيات عتيقة
الداعور ( كامل دعدوش )

الدَّاعـــــــــور
ها قد مضى أكثر من أربعين  عاماً على ذلك اللقاء الأخير مع جدي. وكان قد تجاوز الثمانين, بينما كنت أنا في العشرين وكان هذا اللقاء لقاء الوداع لأنّه بعد أيام غادرنا إلى العالم الآخر.
وليس مهماً أن أصف الهيكل الخارجي لجدّي فهذا إلى زوال, أما بناؤه الداخلي فقد أحتاج إلى جهد كبير حتى امسك بصفة غير لائقة.... ولو استعرت منهج العقاد في الكشف عن مفتاح الشخصية بعد تحليل واستقصاء لتوصلت إلى مفهومين يشكلان مفتاح تلك الشخصية وهما : التقوى والكرم!
وقد حرصت في ذلك اللقاء على التودد إليه وملاطفته وتقديم بعض الفاكهة المبرّدة.
ومادام الكرم صفة لصيقة بطبعه فقد أراد أن يكرمني بشيء من عنده: قال اسمع هذه القصة:
قلت: كلي إصغاء!
قال: في الأربعينيات كان هناك مقهى فوق الدكاكين, في آخر سوق الحسبة, مقابل الباب الغربي للجامع النوري الكبير ـ "وهو نفس مكان مصرف التسليف الشعبي الآن" ـ وكانت المقاهي تفتح أبوابها بعد صلاة الفجر بساعة تقريباً لأن الناس كانت تنام بعد الغروب بساعة أو  ساعتين نظرا لعدم انتشار الكهرباء أو لعدم وجود ما يدفع للسهر كالتلفزيون!.
وكان من عادة نفر من علماء الدّين أن يجتمعوا في المقهى بعد أن يفرغوا من صلاة الفجر وما يتبعها من أوراد واذكار, وكان هذا اللقاء يسمى بالصبحيّة حيث يحتسون القهوة, ويدخن بعضهم النرجيلة, ولم يكن معروفاً تماماً وبصورة قاطعة الضررُ الفادح للدخان على الصحّة, لذلك لم يكونوا يجدون حرجاً في تعاطي التنباك!.
وفي هذا المقهى كان يقوم على خدمتهم رجلٌ يلقّب بالدّاعور ـ ولا أريد التدقيق في المصدر اللغوي لهذا اللقب ـ وكان هذا الرجل ذا مزاج خاص: يحبّ من يحب ويكره من يكره بلا مواربة أو دون تقية, وكان مدمناً على الشراب وعلى شيء آخر اكثر فظاعة, وكان لا ينكر شيئا منه ولا يعتذر عنه بضعف أو توبة مأمولة!
ومن شأن تلك المقاهي القديمة أن زبائنها قلّما يتبدلون وإذا قدم غريب فإشارات الاستفهام تبرز وقد ينظر إليه بريبة وشك!
أما شأن ذلك النفر من العلماء الذين يحظون بالاحترام والتقدير حيثما حلّوا فان الدّاعوركان بتهيبهم ويدقق في كلماته وتصرفاته معهم.
ولكن لو فكّر واحد منهم أن يمازحه أو يثقل عليه فان الدّاعور يطيح بكل أشكال التحفظ وقد يتجاوز أحياناً الحدّ المسموح به حتى يلوذ من أثاره بالصّمت والندم!
أما الذي كان يحبه كثيرا ويبدي له مزيداً من الاحترام والتقدير فهو الشيخ محمود نظراً لحسن تعامله معه: فلا ينتقصه بالمزاح ولا يستفزه بالتعنيف وإنما هي الملاطفة والإشفاق والاستيعاب!
وفي صباح أحد الأيام ... قام الدّاعور على خدمتهم وتأمين طلباتهم لكنه كان فاقد الحيوية والنشاط, اقرب إلى المرض منه إلى العافية, متبرما, ضائق الصدر بكل من حوله!!
قال أحدهم: لعلّ كثرة الشراب وتعاطي البلاء مع السهر الطويل أضعف من قواه..
وقال آخر:لعل قلة الغذاء ورداءته هما السبب...
إنّ حالته لمحزنة...فما رأيكم لو دعوناه ليجلس معنا فننصحه ونرشده لعلّه يقلع عن تلك العادات السيئة التي تفتك بصحته!
ضحك آخر وقال من يجرؤ على مفاتحته بهذا الموضوع .
فرّد آخر لا يحسن أن نتكلم معه كمجموعة بل نختار واحداً منا يحسن التعامل معه وبالتالي يثق بكلامه, وقد يفلح ـ  بإذن الله ـ في ثنيه عما هو غارق فيه!
سارع أحدهم وقال لا يصلح لهذا الأمر إلاّ الشيخ محمود فهو على مودة خاصة معه... فهتفوا ضاحكين: إنّه لها...إنّه لها..!
فردَّ عليهم الشيخ محمود بالقبول وقال: انظروني يوماً أو يومين حتى أتمكّن من القيام بهذه المهمة الشاقة....
في صباح اليوم التالي انفرد الشيخ محمود بطاولة بعيداً عن جماعته, وطلب إلى الدّاعور أن يجلب له القهوة, فجاء بها..ثم اتجه إلى طاولة أخرى, فناداه الشيخ وقال: اجلس معي فاستغرب الدّاعور ذلك وقال هذا ليس مقامي..فردّ عليه الشيخ أن اجلس ولا تبالِ... فجلس متململاً..!
قال الشيخ محمود مبتسماً: أرى صحتك في هذه الأيام ليست على ما يرام...فما السبب؟
ردّ الدّاعور: لاشيء لاشيء...دعها لربك!
قال الشيخ :ألا ترى معي أنّ هذا المشروب الذي تتناوله كلَّ يوم مع هذه اللعنة التي تدخن هو الذي أضرَّ بصحتك وهدّ من حيلك! أما آن الأوان لتقلع عن كلّ ذلك وتتوب إلى الله, فالله غفار الذنوب,والاستقامة عين الكرامة!
لم يبادر الداعور إلى الرّد فوراً بل غلب عليه الصمت والتأمل وكأنه ينظر إلى البعيد البعيد..
فأراد الشيخ أن ينبهه إلى شروده وعدم سماع أي ردّ..
نظر الدّاعور إلى وجه الشيخ نظرة ليس من السهل تفسيرها فهي مزيج من الأسف والألم والتّحدي..ثم قال بصوت متهدج خارج من الأعماق: شيخي.. شيخي لا تعترض.. الله(بدو)يتمم ملكه بالدّاعور!! ثم نهض واتجه إلى (البوفيه).
أما الشيخ محمود فقد أصيب بالدهشة أو الخيبة لهذا الجواب الذي لم يكن ينتظره, ثم نهض متثاقلاً واتجه إلى طاولة أقرانه الذين أدركوا أنّ المقابلة لم تكن مجدية.. نظراً للمدة القصيرة التي استغرقتها!
جلس الشيخ محمود فانهالت عليه الأسئلة: ماذا حصل.؟ ماذا قال..؟ ماذا كان ردّه..؟
ابتسم الشيخ محمود وقال:لقد أجابني بإجابة لم استطع الردّ عليها.. فدُهش الجميع من هذا القول وتساءلوا عن تلك الإجابة!
قال لهم : قال لي شيخي..شيخي لا تعترض.. الله (بدو)يتمم ملكه بالدّاعور!
فوجم الجميع من هذا الرد غير المنتظر والذي يطرح تساؤلات عديدة...؟
                               
                                   ****
 
لماذا احتلت تلك القصة..بل تلك الجملة التي نطق بها الداعور ذاكرتي أربعين سنة, وصارت جزءاً من ثقافتي؟ هل لأنها صدرت عن جدي وما يصدر عن الأجداد له شيء من القداسة؟ ولا عجب في ذلك فقوام ديانة اليابانيين تقديس أرواح الأجداد, غير أن الأمر بالنسبة إليّ ليس كذلك بل شيء آخر...
لعلي وجدت في تلك الجملة موقفاً فلسفياً!
فإذا كان عالم النبات يحتوي على أشجار عالية وأخرى هزيلة, وعلى أشجار مثمرة وأخرى عقيمة... وحشائش وأشواك ربما لا نحسّ أنها ضرورية كغيرها...
فهل هذا التنوع المفرط دليل عظمة الله!؟
وكذلك في عالم الحيوان.. فثمة الحصان والذئب والنحل والنمل والحشرات الضّارة.. وأنواع وأنواع متفاوتة في تعقيدها, متفاوتة في وظائفها.. فهل هي تكمّل بعضها بعضاً ؟!
إن العلم الحديث يتقدم باستحياء للكشف عن العلائق بين مختلف الكائنات الحيّة.. ليظهر أن ثمّة منظومة متكاملة متكافلة فيما بينها.. وأحقر حشرة بل أحقر شوكة قد يكون لها دور في التوازن الحيوي ـ البيئي !
أما عالم الإنسان فهل له شأن آخر ؟
هل الشرُّ ضروري في الحياة البشرية ليظهر الخير؟!
وهل الخبيث مطلوب وجودياً ليبرز الطيب؟!
هذا ما نسمعه أحيانا من بعض (المتكلمين) والمفكرين غير أن الأمر لو كان كذلك.. أي لو كان الشر ضرورياً ليظهر الخير فهذا يعني أن الضرورة تحتم وجود الأشرار والضرورة تنفي الحرية.. وبالتالي صار الجزاء ظلماً!؟
أم هي شطحة من شطحات المُخدرين ندّت من فم الدّاعور بلا وعي ولا تبصر شغلتني سنين عديدة وما تزال موضع تساؤل؟!
ولكن على المستوى الإنساني أرى أن التفاوت ضروري في الملكات العقلية والمواهب النفسية والخبرات العملية  حتى يستقلَّ كلُّ واحد منا باختصاص يحتاج إليه الآخر سواءً أكان الآخر في أعلى درجات العبقرية أم كان في أدنى مستويات الذكاء!
و العامة يقولون باختصار جميل:
(صاحب التاج محتاج) ويقولون أيضاً (كلُّ ديك على مزبلته صيّاح).

 
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved