الثلاثاء، 15 مارس 2016

مجلة السنونو ( العدد الحادي عشر ) - قصة قصيرة كان اسمه بردى ( بقلم : فهد بهجت الحوش )

مجلة السنونو ( العدد الحادي عشر ) - قصة  قصيرة     
كان اسمه بردى ( بقلم : فهد بهجت الحوش )

كان اسمه بردى
بقلم: فهد بهجت الحوش
دمشق...
والياسمين ينبض في دمي..  وأنا أنبض في سيارتي باتجاه النهر.
إنه بردى.. موطني الحقيقي.. سأرتمي فوق شاطئه، سأقبله طويلاً، وسأتقلب على العشب، فتدور بي الأرض، وتدور وتدور، وأستسلم لها مثل طفل صغير وجد أبويه.
دمشق.. ابنة الشمس المعمّدة بعرف الثوّار، الغالية أبداً في عيوننا، الطفلة المدللة، تسرّح شعرها مع الصباح وتغسل وجهها بماء بردى.
اليوم، سأستحمّ مع دمشق في نهرها المقدّس وسأغتسل من كل ذنوبي التي خزّنتها طوال سني غربتي في لندن.
انتهت أسطورة تشرّدي، وها أنا أعود كطائر السنونو لأوقظ أمسيات بردى الجميلة على ضوء القمر.
أنحدر باتجاه الربوة حيث كنا نلتقي صغاراً لنصنع حبالاً طويلة من أوراق الخريف الملوّنة ثم نرميها في النهر لترسم أشكالاً رائعة ما زلت أذكرها إلى الآن.
إحساسي بالطريق بدأ يهتز، أشعر بأنني أسقط في شوارع ضيقة ومتشابهة، وأنني أتوه من جديد في أول يوم لي في دمشق.
يبدو أنه عليّ أن أسأل إنساناً ما لأنقذ تشرّدي الجديد.
أهبط من السيارة، أستوقف رجلاً كهلاً وأسأله: كيف أصل إلى الربوة؟
-                                             أنت في الربوة.
-                                             والنهر... أين هو؟
-                                             أي نهر؟
-                                             بردى؟
-                                             إنك تقف فوقه.
أنظر أرضاً، أحس بضياعي من جديد وأنا أسير فوق النهر الذي تحجّر وتحجّرت كائناته واستحالت أشواكاً تقرّح قدميّ.
أعود إلى سيارتي، تغمرني حيرة مميتة، أحاول أن أستعيد أنفاسي، أغضي وأنا أرخي يديّ فوق المقود لأتابع بحثي المتواصل عن بردى.
*   *    *    *    *
كان بردى يفتح لنا ذراعيه كلما لجانا إليه، كان يرقص تحت أشعة الشمس سعيداً بحكايانا الصغيرة، وكنا نمتطي الرياح في لحظات الغروب ونلحق بالشمس لنوقفها ونمنعها من الهروب ليطول لعبنا على ضفاف النهر.
أصل إلى دمّر، أتمنّى أن أرى بردى.. أن أسمع صوته.. لن أغتسل بمائه، لن أعاتبه بشيء، سأكتفي فقط بالنظر إليه والتبرّك بهوائه..
أترك سيارتي، يخيّل إليّ أن الناس هنا ليبتلعوا النهر وهم في طريقهم لابتلاع كل ما هو جميل وأصيل. لا أشجار، لا ورود، لا نظافة.
اغتالوا كل الأشياء الحسنة ووضعوا بمكانها نفاياتهم.
عبثاً أستعيد ذكرى بردى.. عبثاً أصدق أنني حقاً كنت هنا.. كأنني أرى هذا المكان لأول مرّة، أتجوّل فيه دون أن ينبض في أعماقي وتر.
منذ عشرين عاماً. منذ أن تركْتُ دمشق توقف نبضي.. أكان من الضروري أن أغادر دمشق لأعي مدى حبي وارتباطي بها؟ وحين عدْتُ اكتشفت أنها فَقَدَتْ نسغها وجفّتْ شرايينها.
(كان يوماً حزيناً عندما غادرت دمشق... كانت السماء تبكي وجرحي الذي لم يندمل إلى الآن منذ أن طُرِدْتُ من النقابة. لكن جرحي الأقوى هو تخلّي أصدقائي عني في الوقت الذي كنت فيه بأمس الحاجة إلى رفيق يؤنس وحدتي القاتلة. حتى زوجتي تخلّت عني مدّعية أنها لا تستطيع أن تترك عملها وتلحق بي إلى بلاد قد تشكّل أخطاراً على مهنتها، فقد فضّلت العيش بين جرذانها وقواريرها على المغامرة معي. لكن بردى كان يبكي يومها بشدّة.. فقد كانت روافده تتسارع في جريانها كما لم أرها من قبل.. إنه الوحيد الذي حزن على فراقي.)
آهٍ بردى، أين ألاقيك؟
أعود إلى السيارة، أحس بان روافد بردى جميعها تنزف مع جرحي الكبير وأنني لن أرى الراحة حتى ألاقي نهري المنشود.
عشرون عاماً وأنا أبحث عن نهري البكر. في البدء لم يكن هناك ما يعنيني حقاً، ما يسلبني قوتي أو ما يمنحني الحياة؛ لكنني الآن أعترف بأن بردى هو الشريان الوحيد الذي تنهل منه شراييني، وأن دمشق لا يهنأ لها صباح حتى ترسم قبلتها الأولى على خد بردى وتشرب قهوتها على ضفافه الهادئة.
*    *    *    *    *
أصل إلى الهامة.. صرْتُ أشعر بالخوف والوحشة كلما مررتُ بمكان كان يجمعنا معاً بردى وأنا.. الخوف من أن أفقده إلى الأبد.
0كنا نتسكع كثيراً بين أشجار الحور التي كانت تشكّل لنا جداراً هندسياً رائعاً يقينا من حر الصيف؛ وكنا حين نسبح في الماء العذب ننسى أنفسنا لساعات، فيطول عناقنا مع النهر ويطول نهارنا، حتى الشمس كانت تتوقف عن مسيرها، فنغمز لها بأن تنزل إلينا، وكم كنا نراها في الماء تعلو وتهبط مثل كرة ذهبية نقذفها فيما بيننا فتنسى رحلتها هي أيضاً وتزوغ في ماء بردى إلى أن تفطن لنفسها فتعجّل في رحيلها مودّعة. وحين أعود إلى البيت كنت أسمع أبي يقول لأمي: ألا تلاحظين معي أن هذا النهار كان طويلاً؟
فتجيبه حاذقة: طبعاً، إنه شهر تموز.
فيقول ثانية: لا.. لا إن هذا النهار يختلف عن سابقه.
فترد عليه بطريقتها المحببة: "دخيل الله شو بتْضَلـَّـك مختلف".
وحين أحاول أن أشرح لهما السبب في طول النهار، كان والدي يقاطعني قائلاً:
-                                             اذهب أنت، لا تنقصنا فلسفتك أيها المحامي).
لقد تحولت حقاً إلى رجل يركض مسعوراً في الشوارع يبحث عن بكره المفقود.
أتيت إلى دمشق لأحيا من جديد، لكن يبدو أنني فقدت الحياة قبل وصولي إليها.
لو بقيت ههنا لما ضاع بردى.. وكنت حتماً سأحافظ عليه كما اعتدت أن أفعل في السابق.
سأبحث جيداً في أعماق ذاتي، فأنا أرى بردى ينبض في كل خطوة لي.
بردى...!
يا نهري الغالي... يا نهرنا... يا نهر النزف الغابر،، يا نهر أوجاعنا وأحلامنا.. إني أرى فيك أنهارنا الداخلية التي جفّت لأننا أهملناها وركضنا خلف أنهار كنا نعتفد أنها ستروي عطشنا الزائف.
أتوه من جديد.
أحتضن صراخي وأبلعه حتى لا يسمعني أحد. لكنني رأيت جميع المارّة ينظرون إليّ واجمين وكأنّهم أمام مشهد لجثة مزّقها الانفجار. أتحوّل إلى شريان مفطوع ينزف على ضفاف نهر كان اسمه بردى.
 
 
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved 

مجلة السنونو ( العدد الحادي عشر ) - قصة قصيرة الخوف ( بقلم : وفاء خرمة )

مجلة السنونو ( العدد الحادي عشر ) - قصة  قصيرة     
الخوف ( بقلم : وفاء خرمة )

الخوف
وهي قصتها الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة " البتاني" في الرقة
بقلم: وفاء خرمة
- 1-
مقطع من قصة كتبتُها في البدايات (طفلة الأشهر الستة)
حين دخلت طمأنتني رؤيتي لرجال عدة يتجمعون حول موقد الفرن الذي بدا خالياً من حركة العمل ومن حشد الزبائن. اقتربت منهم. لا شك بأن عليّ جزع الهاربة، إذ أشاروا إلي بالدخول متعاطفين قال أحدهم: لا تخافي أنت الآن في مأمن... أحسنتِ بدخولك إلى هنا.
حل ارتياح نسبي 5ي نفسي، خطوت باتجاه الداخل وأنا أحتضن طفلتي. لكن حين حانت مني التفاتة إلى موقد الفرن، هناك حيث يجتمع الرجال شُدهت لنيران ترتفع ألسنتها داخل فوهة متأججة بقوة. تسمرت عيناي على جثة آدمية لطفل، تُشوى في تلك النار، تدور كما فرخ الدجاج على سيخ حديدي متوهج الحمرة، أما تلك الجثة فقد بدت سوداء متفحمة! لم أتحرك، ولم أطلق صرخة.. فقد تجمّدت رعباً!
 
- 2-
مقطع من قصة أخرى للمؤلفة كُتبت بعد البدايات (طفلة السنوات الست):
تابعت ببصري ذلك الصف الطويل الذي كان ينبثق من تلك المجموعات المتزاحمة،فإذا بجنود مسلحين يقفون في عرض الزقاق، يشرفون على تنظيم سير الأطفال ضمن ذلك الصف، بينما يقودهم جنود آخرون خارجه، سألت واللهفة تأكلني: ما الأمر؟ أُجِبْتُ: تقرّر نقل الأطفال من مدارسهم إلى أماكن أخرى غير معروفة!
احتلّني الخوف وقد تذكرت أن طفلتي واحدة من تلاميذ تلك المدارس وأنهم لابد نقلوها إلى مكان مجهول. تركتُ الجنود، ورحتُ أبحث عن باب مدرستها. كان الباب الخشبي العتيق بمساميره العريضة التي تنغرز في كل جزء منه، مغلقاً بإحكام. صرختُ بهلع: طفلتي نُقلت... طفلتي أخذت إلى حيث لا أعلم، وكنت أحرّك ذراعيّ صارخة مستنجدة، وأنا أدور وسط ذلك الزحام دوراناً هستيرياً.
 
- 3-
أحد أحلام المؤلفة في إحدى الليالي (اليافعة)
سرت أنا وهي في أرجاء القلعة نتعثر بحجارتها المستديرة، نتأمل قناطرها وشرفاتها، نطلّ من فنحاتها الطولانية الضيقة، نقطع ممراتها المتفرعة، نصعد إدراجها. وبعد استراحة قصيرة على قواعد نوافذها، اتجهنا نحو بابها خارجتين. انكفأتْ ابنتي فجأة نحو الداخل، قالت إنها نسيت حقيبتها هناك. رأيتها تركض في الدهليز الضيق ثم تغيّبها الدرجات الكثيرة الصاعدة. توجّستُ، تلبّثتُ دقائق قبل أن أصرخ منادية عليها. لم تجب. هوى قلبي بين ضلوعي... صرختُ، شق صراخي فضاء القلعة، وأنا أركض كالمجنونة في دهاليزها، فلم أسمع سوى ارتداد الصدى هادراً مهدّداً. امتدّ صراخي وتعالى إلى أن ملأ فضاء غرفتي، وانداحت تموّجاته فوق رأسي المتشنّج فزعاً.
 
- 4-
حلم ثانٍ للمؤلفة في واحدة أخرى من الليالي (الشابة)
بيتنا في حي قديم، بشبابيك لها قضبان حديدية مزخرفة، أطلّ من خلالها، وأنا في جلستي، على الزقاق، والباحة خلفه، وحركة المارّة، وصراخ الأطفال ولعبهم.
أخرج برفقة ابنتي نجوب الأزقة والمنعطفات والساحات الصغيرة، نتشرّب تفاصيل الحجارة والنوافذ والأبواب ووقع حياة الناس بحنين واستمتاع. نغور أكثر في أزقّة أضيق وأبعد وأكثر تفرعاً... نبتعد... ونتلبث قليلاً عند جدار متهدم يبدو وكأنّ للمكان خلفه طابعاً آخر ونسيجاً مختلفاً، مكان تغزوه سيارات مسرعة، يبدو الماشون فيه بسحنات مقطّبة، وحيناً ذوي نظرات وقحة، أو لامبالية. وإذ أتوجس مخافة أن نجتاز الجدار المتهدم ونغدو في قلب ذلك العالم الغريب، أستدير عائدة. لا أحسّ خطواتها بجانبي، ألتفتُ فلا أجدها. يتملكني الخوف. أقفز عائدة. لا أحس خطواتها بجانبي، التفتُ فلا أجدها. يتملكني الخوف. أقفز عائدة نحو ذلك الجدار، فأراها هناك ملقاةً خلفه عاريةً مدمّاة.. والصرخة، صرختي، غدت في سريري حشرجة تمسك بخناق جسد متيبس.
 
- 5-
المؤلفة الآن والمرأة
قالت لي ابنتي وهي تشتعل حماسة: أغداً تقام أمسية تلقين فيها قصة؟ سوف أحضر بالتأكيد.
رجوتُها ألا تفعل وهي التي تخرج مساءً من عملها منهكة، لكنّها أصرت على الحضور وبقوّة.
وها نحن الآن في قلب الأمسية، وأنا ألقي قصتين لكنها ليست هنا. قلبي منقبض، وأنفاسي تتقطّع خوفاً. لقد ودّعتني ليلة أمس متجهة إلى بيتها الجديد الذي تسكنه منذ أيام فقط، لكنني أعرف أنها كي تصل ذلك البيت – عليها أن تجتاز فرناً قديماً، ومخفراً، وجداراً متهدّماً لمدرسة قديمة تتخايل خلفه الأشباح، كما داراً أثرية، يُذكّر جوفها المظلم الهائل الاتساع بالقلعة.. تلك القلعة... يا إلهي!
 
 
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved 

مجلة السنونو ( العدد الحادي عشر ) - خاطرة غموض أم إفلاس ( بقلم : عبد الخالق حموي )

مجلة السنونو ( العدد الحادي عشر ) - خاطرة
غموض أم إفلاس ( بقلم : عبد الخالق حموي )

غموض أم إفلاس؟
بقلم: عبد الخالق حموي
 
ما يسمى فصائد شعرية حديثة كالجراد على اخضرار الحقول، كما هب على صفحات الجرائد المغزوة بهذه الهيمنات.
والقارئ المتابع " الذوّاق" أمام إحدى حالتين، حين بصبر متأنٍ يقرأ ما يُكتب مما يسمى في عصر الحداثة "شعراً؟"، إما أن يصل إلى منطقية ما يبوح به هذا " الشاعر"، أو تلك " الشاعرة"، وهذا مر إيجابي، إلا أنه من النادر أن يستدلّ إلى ما كتب من معانٍ راقية، أنيقة، تدعوه بأمانة إلى القبول بأنه يقتسم مع الذي كتب حالة من الوعي، وهذه إيجابية لقلة نادرة مما يسعون وراء اسم " شاعر" أو "شاعرة". وهذه الحالة الواعية، ربما كانت إحدى الأسباب المباشرة والهامة للكتابة.
والغموض بكل أنواعه، إنما مسبباته كثيرة، وربما كان أبرزها ضعف الخلق الإبداعي لدى المعني أو المعنية، وربما يكتنز مفردات غاية في التعقيد لإيهام المتلقي بالتخلف الثقافي، ومن ثم الاختباء وراء الرمزية الجوفاء، والتي هي في داخله هو، ويدعو القارئ للارتقاء نحوه بالزاد الثقافي المستمر والمساير للحداثة.
وربما يختبئ وراء هذه الرمزية " المبتكرة" خوفاً من سيف الرقيب والواقع المعاش، فيقنع الذات ومن يسايره في "مبدأ القطيع" بأن ما كتبه كان ارتقاءً بالغير نحو الحداثة التي نعيشها، فينبري يدافع عن كلمة خطّها يراعه الفريد والمحشوة غصباً في تلك الأسطر التي يسميها وأنصاره " شعراً"!! وربما تسكنه قناعة بأن التسطيح في الكتابة يقوده على التنازل عن مرتبة يعتقدها في تصاعد، فيلجأ إلى التركيز بكثافة يقوده إلى الغموض.
وهناك علّة تشغله باستمرار، يسعى من خلالها إلى تقليد ما هو أجنبي بأسلوب "كربوني" النقلـ فيقع في اضطراب بيئي ويتهم الغير وتلك البيئة التي يعيش كل أحداثها وطبيعتها بالتخلف عن مسايرة العصر والزمن، ويقع بعدها في اغتراب عما حوله، ويعيش في عزلة يعتبرها ملاذاً له وسط الغرباء...
 
يقول تولستوي:
" لو كنت مكان القيصر، لأصدرت قانوناً يمنع أي كاتب عن الكتابة عندما يُكتشف أنه قد استعمل كلمة واحدة في غير محلها".
والاختباء وراء تراصف الكلمات المبهمة، يعتقده تعويضاً عن الأدوات الفنية التي يفتقدها، فيصف الغير بالتقليد، والعودة إلى الأجداد، ويدعو إلى النهوض نحو الرمزية التي تقوّي عاطفتنا بما نضيف إليها من خيال وصور ومعان ٍ إيحائية.
 
يقول فونتاني:
" ليست البساطة هي الأجمل، لكنها الأنبل".
والكتابة بلغة غاية في التعقيد، إنما تقطع بين الكاتب والقارئ خيط اللغة التي هي أداة الاتصال الأولى الواعية بين الناس، إذ أن مفردات اللغة كانت جسوراً للانتقال إلى وحدة الصف تفادياً للمشكلات التي ربما تقع، لأن أداة الاتصال هذه إن فـُـقِـدت، فإن الوظيفة المنوطة بها قد تتلاشى.
وهناك ادّعاء آخر يخترعه أدعياء الشعر الحديث الرمزي التجريدي العولمي، بأن ما تقوم به وسائل الإعلام والاتصال من صحف وتلفزة وانترنت وفاكس وهواتف محمولة تفي بالوصف بكل دقة، فلم ينهك هؤلاء أنفسهم في خلق ما هو ممكن خلقه في صورة فوتوغرافية أو لقطة تلفزيونية " كما يدّعي هنا أيضاً من يخربش تجريداً في رسوماته". وهذه الصور والدقة والتعابير تنقلها هذه الوسائط، وتقوم مقام الطبيعة، كما مقام الشعر المفهوم البسيط.
ولكن في هذه التداخلات المغرضة نحو دفن الفن الحقيقي، فإن للكاتب معلم واحد، هو القارئ... كما يقول غوغول.
والشعر المفهوم علاقته مع الناس، مع المحيط، فلا معنى لاختراع أنماط جديدة للشعر ليشار إلى أصحابها بالبنان، فهذه ذاتية مغرقة مستنقعية، تتملك الكاتب وتحيطه بطحالبها للوصول إلى تلك "الأنا " المتورمة الآيلة نحو الضمور.
وهناك آفة أخرى تنهش لدى المعني كل حواسه وتصرفاته، وهي الانجرار وراء الحداثة على حساب أي قيمة فنية عميقة وبسيطة تنحو باتجاه الصدق والصح.
 
يقول آنجلز:
"في الأدب كل شيء قيّم، ليس في حدّ ذاته، بل بعلاقاته مع الكل".
إن اعتماد الشاعر " الحداثي" على ثقافته وخاصة الغريبة منها، دون الالتفات إلى تجاربه الخاصة مع المحيط، لهي استغراق لاهث مع من كان قدوته "حسب رأيه، في تلك البلاد، وهذه تضع جداراً متكلساً شديد القساوة بينه وبين المحيط، وغصباً عنه تلبسه هذه العزلة ثوباً هجيناً ما عاد بمستطاعه خلعه لئلا يخلق تناحراً مع الشخصية التي بسطحية ثقافية يعتبرها هي المشعة واللائقة لمجتمع كهذا يعتبره متخلفاً.
 
يقول جورج أمادو:
يجب أن يكون الأدب سلاحاً في يد الإنسان، فاطعاً كالسيف، وبسيطاً كالخبز.
وكم عاد شعراء الحداثة والرمزية والسريالية إلى جادة المنطق حيث شحذت هممهم المشاعر الإنسانية الحقة التي عانت منها شعوبهم، فخلعوا ثياب الإيهام والحداثة، وارتدوا ما يليق بقيمتهم التي عادت بحق حين اقتربوا "بقناعة" إلى المجتمع الذي يعيشون ضمنه.
 
يقول ليسنغ:
" ليس بإمكان شيء غير حقيقي أن يكون عظيماً.
حتى اندمج بعضهم مع ثورات شعوبهم صد ما هو غير طبيعي ومنطقي واستغلالي وجبروتي وأناني. بول إيلوار، الشاعر الفرنسي، عاد إلى الواقعية لإفلاس أفكاره الحداثية وقحطها وبعدها عن الشعب.
يقول: لا حجر أثمن من الرغبة
في الثأر للبريء
لا سماء أسطع من صباح
يسقط فيه الخونة
لا سلام على الأرض
إذا اغتفرنا جلاديها
 
وربما بعض الأسباب الموضوعية تقف في طريق استيعاب أدنى وأسهل شروط الأدب والفن، كالتسلط والأمية والفقر، لكن لا يعني أن يصبح من يملك إحدى هذه، أو كلها في خندق مقابل يعتبره الحداثيون لأدوات الارتقاء نحو عالم الفكر الحديث والبعيد عن التقليد والتبعية وربما، بل الأكيد بأن الكتابة بلغة راقية وبسيطة غير محشوة بألفاظ متراكبة بعشوائية تراصفية غير منضبطة، أصعب وأنقى وأقرب إلى حالات المعاناة والعيش مع معظم الناس، فلا حاجة للمعاجم ولا إلى أساتذة لفك رموز هذه الأحجيات، والتي ربما يختلف هؤلاء " أصحاب الأستذة" فيما بينهم في ماهية هذه " القصيدة" يحد ذاتها!.

 
الشاعرة بلاغا ديمتروفا تكتب:
مقلق أن تكوني امرأة
تبنين الحياة من الحطام
عبء كبير أن تكوني امرأة
تحملين ف رحمك
تحوّلين القبلة الطويلة
 
الصامتة
إلى كركرة طفل
واللحظة الخاطفة إلى أبدية
لكي يستمر الوجود
أنا فخورة لأني خلقت امرأة...

 
 
ولولا انتشار هذه الموجبات الحداثية، وانفراط فقاعاتها على شواطئ الرمال " الموجودة"، لما رسخ أصحاب الواقع الكتّاب على اختلاف عقائدهم وانتماءاتهم المنتسبين إليها " الواقع" قدراتهم الكلامية على صفحات الكتب في كل أنحاء الدنيا.
 
من روسيا:
في أحضان الرمل الناعم
لتغرق قدماك الحافيتان
فيما تطاول كل موجة لاهثة
بحثاً لتقبيلهما
 
من الولايات المتحدة:
ودعتك في الصباح
وفي بهاء الصباح
سرت إلى جانبي طويلاً
ليكون فراقك أكثر إيلاماً لي
 
ومن مصر:
لا تأسي إن الركب يمرّ
لا تنسي موعدنا الفجر
ولقد أرجع من غير ذراع
 
أو ساق ديست في المنحدر الوعر
من غير فم يملك بسمة
من غير ذراع أرفعها
لتقول وداعاً
لكني يوماً سأعود
ومعي أغلى ما تركته الأيام
شيئان اثنان
عيناك وإيماني بالغد
 
ومن فلسطين:
إنا نحب الورد
لكنا نحب القمح أكثر
ونحب عطر الورد
لكن السنابل منه أطهر
اقبض على عنق السنابل
مثلما عانقت خنجر
 
ويعتقد بأن ما قاله (شيللي) يعبّر عن ما آلت إليه حال الشعراء الحداثيون من إفلاس بعد غموض:
إذا ما أتى الشتاء
أيتخلف عنه الربيع طويلاً؟
 
 
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved 

مجلة السنونو ( العدد الحادي عشر ) - خاطرة أنثى كانت حلماَ ( فيروز الياس )

مجلة السنونو ( العدد الحادي عشر ) - خاطرة
أنثى كانت حلماَ ( فيروز الياس ) Une femme .... Un rêve

أنثى كانت حلماً
Une femme …. Un rêve
 
     فيروز الياس                                                                                                         Fairouz Elias 

* أيها الساكن في حلمي.. لماذا تنأى بعيداً؟
هل احترقت فراشات حبك بنيران حبي؟
أم أن ناري قد انطفأت فرحلتَ تبحث عن
نار أخرى.. واحتراق جديد؟
لا وقت لديك للإجابة.. فقد أعددت
حقيبة قلبي.. لألملم فيها حزني.. خيبة أملي
وأشلاء نفسي المبعثرة.. وأرحل تاركةً
لك حرية التحليق من جديد..
بحثاً عن حلم آخر..
أنثى كانت حلماً..
  
* في ليل شتائي بارد.. لا أعرف كيف جاء صوتك عبر أسلاك الهاتف الرقيقة محملاً بكل هذا الدفء ليذيب صقيع أيامي ويحملني إلى مناطق استوائية
 دائمة الشمس..
مع أنني حالمة.. لم تكن أحلامي تتسع لوجود رجل مثلك..
صادق كالأطفال.. عذب كرشفة ماء بعد طول ظمأ..
رقيق كلمسة طفل تحاول اكتشاف الحياة.. في حزنه يرسم أحلامي المتناثرة كأوراق خريف.. في فرحه يرفعني لسماوات عذراء لم تطأها قدم. في ثورته.. نصبح عصفورين يطيران نحو السعادة بلا خوف..
لا أعرف كيف امتدت يدك عبر أسلاك الهاتف لتحط على كتفي بحنان
لا أعرف كيف تسللت من الهاتف لتشاركني سريري تلك الليلة..
لا أعرف كيف استيقظت لأجدك تعد لي قهوة الصباح.
ولا أريد أن أعرف.. أريد أن أقول لك.. الحياة كلعبة شطرنج ننتقل فيها من مربع إلى آخر.. لا يهم إذا كانت الحركة خاسرة أم رابحة المهم أن نمارس اللعبة بشغف.. أنا مثلك أعرف أن مقابل كل فرح.. لنا رصيد من الحزن.. لأن الحياة لا تقبل الخسارة أبداً..
تعطينا حيناً.. وتأخذ حيناً آخر.. أحياناً نسير في دروب           مزهرة ومشمسة.. وأحياناً ذابلة ومثلجة.. وما بين هذه وتلك نكتشف الدفء فنتمسك به بكل قوانا لأننا عندما نفقده نخسر الجنة التي خصنا بها الله على الأرض..
  هاأنا أفتح الباب فادخل الجنة لتعيش فرحها وألمها..
   ولا تبحث عن مكان لا الم فيه لأنك لن تجده أبداً.
.

 
Toi, qui habites mes rêves, pourquoi partir si loin ?
Serait-ce que les papillons de ton amour se soient brûlés par mon feu ?
Ou bien que mon feu se soit éteint et que tu sois parti à la recherche d’un autre feu et d’autres consomptions ?
Le temps s’épuise pour avoir ta réponse… Mon âme a fait ses valises enfermant ma tristesse, ma déception et les débris de mon âme éparpillés.
Me voilà partie, te laissant la liberté de planer à nouveau, à la recherche d’un autre rêve…
D’une femme qui ne serait qu’un rêve !

* C’était une nuit glaciale d’hiver …. Je ne sais pas comment ta voix m’est parvenue à travers les fils du téléphone chargée de toute cette chaleur ; faisant fondre la glace de mes jours et me portant à des régions tropicales toujours ensoleillées.
Quelque rêveuse que je sois, mes rêves ne pouvaient être aussi immenses pour recevoir un homme comme toi, franc comme un sourire d’enfant, délicieux comme les gouttes d’eau après une longue soif, tendre comme les palpations d’un enfant qui essaierait de découvrir la vie et qui, dans sa tristesse, dessinerait mes rêves semés à quatre vents comme des feuilles d’automne : dans sa joie, il m’élèverait à des cieux vierges jamais visités et dans ses moments de révolte, il se joindrait à moi pour voler, comme deux oiseaux libres, vers une joie sans crainte.
Je ne sais pas comment, à travers les fils du téléphone, tes mains se sont tendues pour se poser, tendrement, sur mes épaules.
Je ne sais pas comment, à travers les fils du téléphone, tu as pu glisser, cette nuit-là,  pour partager mon lit.
Je ne sais pas comment je me suis réveillée pour te trouver, là, à me préparer mon café.
Je ne veux pas savoir !
Je voudrais seulement te dire : La vie est comme un jeu d’échecs où l’on se déplace d’une case à l’autre…. Peu importe qu’on perde ou qu’on gagne ; l’essentiel étant de mener le jeu passionnément.
Comme toi, je sais que pour tout moment de joie, nous aurons, en contrepartie, un grand lot de tristesse…. Le destin n’accepte point les pertes. Il nous donne parfois, et des fois il nous fait payer cher.
On marche, des fois, dans des routes fleuries et ensoleillées et d’autres dans des sentiers flétris ou glacés…. Et c’est entre ces deux pôles que l’on découvre la chaleur à laquelle nous nous cramponnons de toutes nos forces afin de ne pas perdre le paradis que le Bon Dieu nous a offert sur terre.
Voilà que je t’ouvre la porte du paradis. Entres-y et vis et sa joie et sa douleur.



 
 

WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved 

مجلة السنونو ( العدد الحادي عشر ) - خاطرة أغرب من الواقع ( بقلم : د. قصي أتاسي )

مجلة السنونو ( العدد الحادي عشر ) - خاطرة
أغرب من الواقع ( بقلم : د. قصي أتاسي )

أغرب من الواقع
بقلم: د. قصي أتاسي
 
رطّب الله ثرى الصديق الراحل القصّاص "حسيب كيالي", وعطّر ذكراه. فما كانَ أحلى الجلوس إليه والاستمتاع بنوادره وتعليقاته اللاذعة الفكهة. ولستُ أنسى قولته الشهيرة: "يا جماعة لا تقولوا: أغرب من الخيال.. بل قولوا: أغرب من الواقع!!", وكان يشفع هذه القولة بالبرهنة على رسوخ صدقها وجديّتها بأنّ أحداثاً وحوادث قد شهدها وعاشها وعايشها فيها من الغرابة ما لا يكاد يصدَّق وما لا يمكنه أن يخطر في البال أو يتصوره خيال مهما سما وحلَّق, ولكنها أحداث وقعت وحوادث جرتْ على أرض الواقع لا في عالم الأحلام! وهي لغرابتها تسبق الخيال وتفوق التصور وتزري بالوهم والخرافة.
ونحن اليوم نعيش ونعايش الأحداث الفاجعة في العراق الشقيق... أرض الرافدين, مهد أقدم الحضارات تطلع عليها الشمس ثم تغيب على مئة جثة ممزقة نتفاً وأشلاءً لأطفال ونساءٍ وطلاّبٍ وعمّال.. شرقاً وغرباً ليصبح أمراً مألوفاً لا يثير استهجاناً ولا يبعث غضباً بل لا يحرك ساكناً بل لا يعني شيئاً, فلقد تعودت عيون الملايين العرب هذا المنظر وألِفتْ مروره على شاشة التلفاز كما يمرُّ مشهدٌ طبيعيّ أو لقطة درامية أو خطابٌ في حفل أو نطوة في فندق أو دبكة في عرس أو منظر راقصةٍ-مغنية تتخلّع وتتلوّى!!
 
وعايشنا وعشنا المهزلة-الفاجعة, مهزلة فصائل المقاومة الفلسطينية تتقاتل وتتناحر ويسقط من بينها القتلى والجرحى على أرض فلسطين.. وكأننا مع عبسٍ وذبيان في داحس والغبراء.. ثم تنعقد المؤتمرات وتدور الاجتماعات والمفاوضات والمباحثات لعلّ راية الصلح ترتفع ولواء السلام يرفرف فيتمّ الوئام بين إخوة السلاح, ولا ينقص المشهدَ إلا شاعر معاصر يتشبه بزهير بن أبي سلمى ليدعو إلى نبذ القتل والقتال, ويذمّ مساوئ الحرب ويشيد بفضائل السّلم والسّلامة مذكِّراً بالأواصر والعلاقات والروابط وضرورة تمتينها وشدِّ أزرها في وجه العدوّ الغاشم!
وكانت المرابع والمقاصف تتبارى في تقديم ما لذّ وطاب من المآكل والمشارب, وتوفير ما يسرّ العين ويمتع الأذن ويبهج القلب ويداوي الأعصاب العليلة ويهدهد النفوس المتعبة... وإذا الحالُ غير الحال, وإذا المرابع اليوم تتبارى في الإزعاج والتنغيص والتكدير, وكأن لها ثأراً لدى أذواق الناس وأمزجتهم وراحة بالهم... فليس إلاّ حبٌ كثيفة من دخان النراجيل تزكم الأنوف وتخنق الأنفاس, وليس إلاّ رعودٌ من ضجيج الطبل والزمر وزعيق الآلات ونهيق الحناجر, تحاصرك لتجهز على ما بقي من بقايا قدرتك على الصبر!
ولكنَّ هذا الجحيم من الصّراخ والزعيق يلاحقك أينما توجّهت: في وسائل النقل الصغيرة والكبيرة, وفي المحلات التي تتسابق في نصب مكبرات الصوت على أبوابها, وهي لا تكلّ ولا تملّ من إذاعة الروائع والنفائس من أصوات الناعقين والناعقات! وكذلك الأمر على شرفات منازل الجيران الذين أقسموا على أن يقدّموا لك البرهان على أذواقهم الرفيعة وثقافتهم الموسيقية العالية وحسّهم الفني الرهيف وحُسْنِ فهمهم لآداب الجوار!
وهذا الركام الهائل من المجموعات الشعرية تطالعنا كل يوم... جرّب أن تتصفحها لتطّلع على ما فيها فماذا أنت واجدٌ على صفحاتها؟ إنه الكلام.. وليس إلا الكلام.. أما الشعر ومقوماته من لغة وصورة وانفعال وإيقاع فهيهات هيهات, بل إن كثيراً من هذه المجموعات لا يصلح إلا للتندّر والتفكّه وإثارة الضحك العريض, وذلك لغلبة الهذر والهذيان وسخف المضمون وتفاهة اللغة وركاكة العبارة... ولكن هل تعلم أنَّ هذه المجموعات قد حظيت بموافقة وزارة الإعلام ومباركة اتحاد الكتاب العرب؟ واسأل نفسك إذن: هل قُرئتْ هذه النماذج من قبل القيّمين حقاً على لجان القراءة في اتحاد الكتاب؟ إنْ كان ذلك فيا للعجب!
وإنْ لم يقرأها أحدْ وأجيزت طباعتها فما أعجب وما أغرب! ولكي لا أُتهم بالمبالغة والتجني فيما أدّعي من أمر هذه المجموعات أقول: إنَّ عندي منها عدداً وافراً لمن يريد التفرّج عليها والانتفاع بما فيها, وأنا أضعها بين يديّ من يشاء معارةً بل مهداةً إليه... وأجري على الله في خسارتي!
عطّر الله ذكرى الصديق الراحل القصّاص "حسيب كيالي", ما كان أصدقه وما كان أبلغ قولته: "يا جماعة لا تقولوا: أغرب من الخيال.. بل قولوا: أغرب من الواقع".

 
 
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved 

السبت، 12 مارس 2016

مجلة السنونو ( العدد الحادي عشر ) - قصة قصيرة كلهن أخواتك ( بقلم : عبد المعين الملوحي )

مجلة السنونو ( العدد الحادي عشر ) - قصة قصيرة 
كلهن أخواتك ( بقلم : عبد المعين الملوحي )

كلهن أخواتك
بقلم: عبد المعين الملوحي
 
كالعادة، افتتحت العيد، كما افتتحته الملايين، بزيارة المقابر، بدأت بمقبرة جورة الشياح، على طريق حماة، ومضيت إلى مقبرة باب تدمر، وانتقلت إلى مقبرة باب الدريب، ومن هناك سرت إلى مقبرة باب التركمان. في كل مقبرة إنسان هو جزء من قلبي، أو إنسان أنا جزء من قلبه..
وكنت أسرع في انتقالي من مقبرة إلى مقبرة، فليس حسناً أن تؤجل زيارة واحد من الموتى حتى تملأ الشمس الدنيا، وإلا كانت زيارتك رفعاً لعتاب، والموتى مثل الأحياء تماماً لا يحبون أن تزورهم في أوقات لا تليق بمقاماتهم..
ثم أتهم ينتظرونك، وقد اخذوا للعيد أحسن ثيابهم، وأجمل زينتهم، حتى الدود، - وهو قليل كما تعلمون - كف قليلاً عن أكل ما بقي منهم، وقد رآهم يلبسون ويتزينون ويحتفلون.
وفي باب الدريب شهدت حادثة عجيبة: في هذه الأرض العربية، في أرضنا، يعيش ناس كثيرون ذوو قلوب كبيرة، قلوب إنسانية تسع الكون كله، وتملأ الدنيا كلها، كان يكفي أن أقص عليكم الحادثة دون تعليق، ولكنا - ويا للأسف - قليلو الثقة بذكاء بعض الناس، ولعل لعشرتنا الطويلة لبعض أصناف من هؤلاء الناس أثراً في عدم ثقتنا بذكائهم.
جاء رجل يلبس ثوباً ويضع عقالاً، يهرع إلى المقبرة ويهرول وراءه طفل في الحادية عشرة من عمره، أما الرجل فكان بين الأربعين والخامسة والأربعين، وكان يمسك بين يديه حزمة كبيرة من الآس، ووقف عند مجموعة كبيرة من القبور الصغيرة، قبور الأطفال، لكأن حفار القبور أراد أن يجعل للأطفال الموتى حديقة خاصة، فجمعهم في مكان واحد، عشرين قبراً او ثلاثين لثلاثين طفلاًُ..
وما زال الطفل يركض وراء أبيه حتى بلغه وهو يلهث وقال له: أبي أين قبر أختي؟
وجعل يغرس فوق كل قبر من القبور الصغيرة غصناً من أغصان الآس، وأعاد الطفل السؤال:
أبي! وأعاد الطفل السؤال:
أبي! أين قبر أختي؟
وتلفت الرجل يبحث عن قبر معين فلم يجده.
وقال الوالد وهو ما يزال يغرس الآس فوق القبور، ويتلفت فلا يجد القبر الذي يريد:
- لا أعرف... كلهن أخواتك.
وأعطاه حزمة من الأغصان وقال له: اشكل.
وجعلا يغرسان الأغصان فوق القبور حتى لم يبقَ هنالك قبر دون غصن آس.
تلك هي إنسانية رجل من أبناء شعبنا.. ذلك هو قلبه الكبير، ألم يقل مرة اخ شاعر في رثاء أخيه مالك:
لقد لامني عند القبور على البكا
صديقي لتذراف الدموع السوافك
فقال: أتبكي كل قبر رأيته
لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك؟
فقلت له: إن الشجا يبعث الشجا
فدعني فهذا كله قبر مالك
نعم إن القبور كلها قبور إخواننا، أخواتنا، قبور أهلنا..
ومن اجل ذلك زرنا وسيزور من بعدنا كل ما في بلدنا من مقابر، من أجل ذلك وضعنا وسيضع من بعدنا أغصان الآس على كل ما في بلدنا من قبور.
طوبى للموتى في هذا البلد الطيب.

 
 
 
WEBMASTER : AA-ALSAAD
This Web Site Programmed and Written By ABD ALMASSIH JAMIL ALSAAD ..... Copyright 2003 (C) SCOPNET  All Rights Reserved